في عالم الطيور، يُعدّ النورس جهاز إنذار يُنبئ بخطر مُحدق بالبيئة البحرية. هو بمثابة مؤشّر بيئي يعكس حجم تلوّث المكان الذي يوجد فيه، "وبالتالي، كلما ارتفع حجم التلوّث والخطر الموجود كثرت أعداده"، وفق ما يشرح ممثّل المجلس الأعلى لحماية الطيور في منطقة الشرق الأوسط أسعد سرحال.


ينطلق الأخير من هذه النقطة ليُشير الى أن مبدأ حماية طيور النورس ضروري من أجل حماية الوسائل التي تُنبئنا بالخطر الذي يُنبهنا اليه.
لا يندرج طير النورس ضمن طرائد الصيد، وهو يُعرف بالمعنى "الدارج" بـ"جردون البحر"، الذي يقوم بأكل النفايات والفضلات الموجودة على الشواطئ البحرية وغيرها. يختصر سرحال واقعة "الفتك" بطيور النورس بالقول: "النورس يقوم بعمله في تنظيف البحر وأكل النفايات، بخلاف الكثير من البشر المُتقاعسين عن القيام بأعمالهم"، وهو بذلك يعلّق على شركة طيران الشرق الأوسط، التي تقوم، منذ أول من أمس، باستقدام عدد من الصيادين لقتل الطيور المتجمّعة على شاطئ الكوستابرافا!

مجزرة بيئية وانتهاك فاضح للقوانين

لم يكن القرار الذي اتخذه رئيس مجلس إدارة الطيران الشرق الأوسط، محمد الحوت، بـ"إبادة" طيور النورس قراراً "فردياً". هو قرار مُغطّى من قبل الحكومة اللبنانية، التي لم يصدر عن رئاستها ولا عن أي وزير فيها أي موقف من هذه الجريمة الممنهجة، بل إن العناصر الأمنيين رافقوا الباصات التابعة لشركة الـMEA التي نقلت الصيادين، وقام هؤلاء العناصر بحماية واحدة من أكبر المخالفات العلنية للقوانين والأنظمة التي تجرّم الصيد الجائر.


النائب العام البيئي:
من الواضح أن قرار الصيد متّخذ
من قبل الحكومة


التبرير "المُعلّب" والجاهز أتى على لسان الحوت، إذ خيّر الناس بين "طيور النورس وطيور الميدل إيست". هذا التبرير كرّره وزير البيئة طارق الخطيب، وإن بصيغ أخرى. الخطيب الذي يتولىّ مسؤولية هذا الملف "الورطة"، صرّح لـ"أخبار اليوم" بأنه في حال أجرينا مقارنة بين سلامة الطيران والرحلات الجوية في مطار رفيق الحريري الدولي، وحماية الطيور، حتماً سنؤيّد الخيار الأول". وأضاف: "نطلب من المنتقدين تقديم الحل الأنسب والبديل العلمي للتخلّص من المُشكلة، ونحن جاهزون للتنفيذ"!
يردّ بعض البيئيين على هذا التصريح بالإشارة الى الإرشادات العالمية المنتهجة من قبل دول العالم لمواجهة هذه المُشكلات، لافتين الى "استشراس" الحكومة في الدفاع عن مكمن الخلل، وهو وجود المطمر على مسافة قريبة من المطار، علماً بأن الإرشادات العالمية "توصي بأن يبعد أي مكب للنفايات 15 كيلومتراً على الأقل"، بحسب سرحال الذي يقول إن المجلس الأعلى لحماية الطيور لديه الكثير من الحلول العلمية، وهو على استعداد لوضعها في تصرّف الحكومة والمعنيين.
هذا الرأي يدحض محاولات تصوير فضيحة الطيور بأنها إجراء أُجبرت الدولة على اتخاذه "بالرغم من محبّتها للطيور"، وفق ما صرّح الحوت لوسائل الإعلام، ويضع ممارسات السلطة ضمن دفاعها المُستميت عن ردم البحر والحفاظ على المطمر، أو على الأقل، تجنّبها معالجة مصبّ نهر الغدير، "العامل الرئيسي لاجتذاب الطيور"، وفق ما زعمت اللجنة الوزارية التي انعقدت في السراي الحكومي الأسبوع الماضي. حينها، خلصت اللجنة الى مجموعة من الإجراءات التي ستُباشرها لمواجهة الأزمة، لكن هذه الإجراءات لم تلحظ بند قتل الطيور الذي يشكّل انتهاكاً فاضحاً لقانون الصيد اللبناني، ولاتفاقية حماية الطيور البحرية الموقّعة من الدولة اللبنانية.

قتل أنواع مختلفة من الطيور

يقول سرحال إنه بحسب الصور التي تم نشرها، هناك أنواع أخرى من الطيور تم اصطيادها، كالطير المعروف بـ"خطّاف البحر"، الذي يجول الكرة الأرضية مرتين في السنة، والذي يُمثل شعار Bird life international، فضلاً عن اصطياد الطير الذي يُسمّى "غراب البحر"، الذي يعيش على بعض الأسماك الحية، والذي يحلق في عرض البحر، "ولا علاقة له بالنفايات أبداً". الإشارة الى هذه النقطة ضرورية للقول إن هناك صيادين دخلوا عرض البحر ولاحقوا الطيور وفتكوا بها، بشكل عشوائي، ومن دون أي تمييز. الجدير ذكره هنا هو إساءة استعمال هذه "الإجازة" الممنوحة للصيادين. يقول سرحال إن البعض لاحق الطيور في عرض البحر عبر المراكب التي استهدفت نحو أربعة الى 5 أنواع من الطيور التي تم اصطيادها، لافتاً الى أن هناك خرقاً بالجملة لمجموعة من القوانين التي تتعلّق بحظر الصيد أولاً، ومن ثم خرق حظر الصيد بالآليات المتحركة، ومشيراً الى الكثير من المراسلات التي بدأت ترِد الى المكتب حول كيفية تشريع الحكومة لهذا النوع من الممارسات "العلنية" على الشوارع والطرقات. ويُضيف سرحال أن هناك الكثير من الإجراءات التي تتخذها مطارات دول العالم في هذا الصدد، "فليتعلموا منها أو ليستعملوا الإرشادات العالمية في هذا الصدد، تجنباً لأي أذى يطال البيئة والأنواع المهددة".
من جهته، يقول رئيس الحركة البيئية اللبنانية بول أبي راشد إن الجمعية في صدد إعداد مذكرات ومراسلات احتجاجية لمنظمات دولية تعنى بحماية الطيور من أجل إحراج السلطة، لافتاً الى خيار إعداد شكاوى قضائية ضد الصيادين الذين تم استقدامهم الى المنطقة، نظراً إلى انتهاك الاتفاقيات الدولية، فضلاً عن خرق اتفاقية برشلونة وقانون الصيد اللبناني. وفي هذا الصدد، فإن من المقرر أن يتقدم عدد من المحامين الناشطين بإخبار لدى النيابة العامة التمييزية للشكوى ضد كل من يظهره التحقيق ضالعاً في هذه الجريمة. بدوره، يشير الخبير البيئي ناجي قديح الى "الروح الإجرامية" التي تنتهجها السلطة في التعامل مع هذا الملف، لافتاً الى الاستخفاف المتّبع في كيفية إدارة ملف النفايات؛ "وعوضاً عن معالجة أسبابه وتداعياته البيئية الكارثية عبر إقفال المطمر، لجأوا الى الاستقواء على طيور النورس".

القضاء شاهد على جريمة

يقول مصدر قانوني لـ"الأخبار" إنه إذا كان الجرم يرتّب عقوبات جزائية، تستطيع النيابة العامة التمييزية أن تتحرّك من تلقاء نفسها، كذلك الأمر بالنسبة إلى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، نظراً إلى نوع الجرم المُرتكب في منطقة الكوستابرافا وانتهاك القوانين الحاصل، مُستنكراً تصوير القضية على أنها خيار بين سلامة الطيران المدني أو قتل الطيور.
من جهته، يقول النائب العام البيئي في جبل لبنان، القاضي كلود غانم، لـ"الأخبار"، إن هذا الإجراء "من الواضح أنه متّخذ من قبل الحكومة"، لافتاً الى أن من يقوم بصيد الطيور إنما يقوم بذلك "حفاظاً على سلامة الطيران المدني (...) وإن كانت الوسيلة غير فعالة وغير منطقية".
يقرّ غانم بأن الوسيلة غير مجدية؛ إذاً، فلماذا لا تقوم بأي خطوة في هذا الصدد لمنع تكرار الصيد الجائر لهذه الطيور؟ يُجيب غانم: "بكرا منشوف".




اتفاقية حماية الطيور المهاجرة

وقّع لبنان في عام 2002 على اتفاقيّة الطيور المائيّة المهاجرة الأورو آسيويّة الأفريقيّة AEWA، بموجب القانون رقم 212/2002، والتي تهدف إلى المحافظة على الأنواع المُهاجرة من الحيوانات والطيور المائيّة، باعتبارها تشكّل جزءاً مهماً من التنوّع البيولوجي الواجب الحفاظ عليه لمصلحة الأجيال المُقبلة، كونها معرّضة للخطر نتيجة تناقصها، إذ تهاجر عبر مسافات طويلة، وتعتمد على نظم متكاملة من الأراضي الرطبة تتناقص في مساحاتها وتتدهور حالتها بسبب النشاطات البشريّة. يشمل نطاق هذه الاتفاقيّة منطقة أنظمة الهجرة لطيور الماء الأفريقيّة والأورو آسيويّة، فهي دخلت حيز التنفيذ في عام 1998 ووقّع عليها 76 دولة (41 دولة أورو آسيويّة، و35 دولة أفريقية)، وهي ملزمة بموجبها باتخاذ الإجراءات الوقائيّة للحفاظ على هذه الأنواع، وخصوصاً المهدّدة منها، من خلال الحفاظ على المواقع التي توجد فيها، وإعادة إنشاء المواطن المهدّمة، واتخاذ تدابير علاجيّة متعلّقة بالأنشطة البشريّة التي تساهم في تناقصها، مع ما يتبع ذلك من حفظ النباتات والحيوانات البريّة والبيئة المائيّة الرطبة المناسبة لها، وإجراء البحوث وتبادل المعلومات، وتعزيز المراقبة في هذا الإطار. وتشمل الاتفاقيّة حماية 254 نوعاً من الطيور المائيّة من ضمنها: البجع، الغاق، المالك الحزين، اللقالق، القضبان، البط، الأوز، النورس، خطّاف البحر، البطريق الجنوب أفريقي، طيور الفرقاطة، الطيور الاستوائيّة، النحام، طائر أبو ملعقة، طائر الكركي، الأوك (من فصيلة البطريق)، الطائر أبو منجل، الطائر الغطّاس...




«زبّال» الشاطئ مهدّد بالانقراض

يعدُّ النورس من الطيور المائيّة التابعة لفصيلة الزقزاقيات التي تتمتع بأهمية كبيرة في النظام الإيكولوجي. وهناك أنواع عدّة منها، مثل النورس الرمادي الفاتح، والنورس الإسفيني الذيل، والنورس الخطافي المنقار، والنورس المحبّ للثلج، ونورس ذيل السمكة، ونورس الريسا. يعيش النورس في مستعمرات قرب الشواطئ والسواحل والجزر والبحيرات، ويختار المنحدرات الصعب الوصول إليها لبناء أعشاشه وحمايتها. يتغذّى على الأسماك، والسرطانات الصغيرة، وبيض الطيور الأخرى، والحيوانات البحريّة الصغيرة، والحيوانات النافقة، كذلك يقوم بكنس الشواطئ ليتغذّى على البقايا والفضلات. يصنّف النورس من ضمن الطيور الذكيّة، نتيجة تصرّفاته التي تنمّ عن ذلك، إذ يعمد إلى التربيت بقدميه على الأرض كي يوحي للديدان بتساقط المطر، فتخرج من تحت التربة ويأكلها، كذلك فإنه يصدر أصواتاً عاليّة في أوقات التزاوج. يوجد بنحو كبير في مدغشقر، وشواطئ قارة أفريقيا، وأستراليا، وأميركا الجنوبيّة، وتشمله اتفاقيّة الطيور المائيّة الأورو آسيويّة الأفريقيّة التي تحرّم صيده لحمايته من الانقراض.
وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 300 ألف طائر بحري يقتل سنوياً، وتمثل طيور النورس ثلث هذا العدد. وبحسب منظمة "بيردلايف"، فإن أكثر من 21 نوعاً من طيور النورس مهددة بالانقراض.