لم يحكم التوتّر والقلق النائب وليد جنبلاط، على رغم قسوة السنوات الماضية، كما يحكمانه الآن، في ظلّ «الصراع» الحالي على قانون الانتخاب، مع أن القلق ينعكس متعةً على صفحته على «تويتر». يرفع جنبلاط لواء يا «غيرة الدين»، مصوّراً النسبية خطراً وجوديّاً على طائفة الموحّدين الدروز.


وهي في الحقيقة ليست كذلك، بل هي مجرّد «خطر» على احتكار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي التمثيل الدرزي وجزءاً كبيراً من التمثيل النيابي المسيحي في دائرتَي الشوف وعاليه.
فالقول إن النسبية في قانون الانتخاب تعني خطراً وجوديّاً على طائفة الموحّدين الدروز بخسارة نوّابها أو ما شابه، هو محض تلفيق. إذ إن «الطائفة» كجماعة ومذهب ومصالح لا فرق عندها إن ربح نوّاب جنبلاط أو نوّاب غيره مقاعدها، طالما أنهم دروز، وطالما أن حصّتها من نوّاب البرلمان وفي التعيينات مضمونة بالـ«6 و6 مكرّر». ولعلّ أقوى أوراق جنبلاط، هي تلك التي ورثها عن عائلته كما ورثها آخرون في مذاهب وطوائف أخرى عن عائلاتهم وعن منطق الاحتلالين العثماني والغربي، وهو أن مصالح الطائفة هي تلك المتمثّلة بمصالح الزعيم القوي الذي يملك وحده بُعد الأفق وجَوَاهِر الدِّراية، في مصير الطائفة ومستقبلها، وطبعاً مصالحها.
أن يرتكب الفرع السوري لـ«تنظيم القاعدة» أو «جبهة النصرة» مجزرة بحقّ دروز جبل السّماق في إدلب، فتلك ليست مصيبة، ولا تهديداً وجوديّاً على الطائفة يستدعي «غيرة الدين». مسموح لـ«جبهة النصرة» أن تقتل الدروز، وممنوعٌ على «النسبية» أن توصل مرشّحاً إلى البرلمان لا «يُمَسِّح جوخاً» في المختارة، ولا يدفع مالاً لتغطية حركة البيك. حتى أولئك المساكين في قرى جبل السّماق، من المئات القلائل الذين تمسّكوا بقراهم بعد التهجير، وبقوا فيها مرغمين على تغيير مذهبهم واعتناق مذهب من مذاهب أهل السّنة، كما يرتضي مشايخ التكفير والوهابية والإخوان، لا خطر عليهم. فيما النسبية هي «الغول».
أمّا بلدة حَضَرْ في القنيطرة السورية، التي يتهدّدها إرهابيون في «جبهة النصرة» ذاتها، وعملاء إسرائيل من «الإكليروس الدرزي» في فلسطين المحتلّة، فلا يشكّل جُرحها خطراً على «الطائفة»، تماماً كما لا تثير القلق، الأشواط التي قطعتها إسرائيل في «تدجين» شريحة من دروز فلسطين المحتلّة. وفي المقابل، تبدو فكرة أن يأخذ النائب طلال أرسلان مقعده النيابي وهو حقّه في عاليه من دون منّة من جنبلاط، أقرب إلى التهديد الاستراتيجي، أو أن يصل مرشّح للحزب السوري القومي الاجتماعي في عاليه أو بعبدا أو الشوف، ليعكس حضور القوميين المعتبر عند الدروز اللبنانيين، فذلك أعظم الشّرور. أمّا أن يتمكّن الوزير السابق وئام وهّاب من الفوز بأحد المقعدين الدرزيين في الشوف، فذلك يستدعي استنفاراً وحشداً، والإعلان الفعلي عن خطر وجودي، في ظلّ إصرار جنبلاط على توريث زعامته لولده تيمور. يسارع جنبلاط إلى أرسلان ليكون حبل نجاةٍ له بعد أحداث 5 أيار 2008 وما تلاها (التي كان لجنبلاط النصيب الأوفر في افتعالها)، لكنّه لا يريد له أن يعكس تمثيله الحقيقيّ. «يُسايِر» القوميين ليأخذ منهم استقراراً أمنياً واجتماعياً وسياسياً في الجبل يمنعهم من التمدّد، لكنّه يُجنّ إذا ما شعر بأن فرصةً تسمح لهم بالتمثيل على وشك الحصول.


مسموح لـ«النصرة»
أن تقتل الدروز وممنوعٌ على «النسبية» أن توصِل وهّاب إلى البرلمان

تحت عباءة «الخوف على الطائفة»، يريد إقصاء الجميع.
حتى إنه يرفع السّقف الآن، كما لم يرفعه يوم اقترع بغالبية نوّابه للرئيس ميشال عون، من دون أن يأخذ ضمانات انتخابية، لهدفٍ واحدٍ فقط، وهو الضغط في تشكيل الدوائر وليس في النسبية بحدّ ذاتها. ورفع السّقف أيضاً، يجرّ إلى تحالف انتخابي مع عون والقوات اللبنانية والرئيس سعد الحريري، على الأقل. ومن دون هذا التحالف، قد يصعب على جنبلاط نفسه الفوز بمقعده في الشوف على أساس قانون «السّتين»، أو فوز ابنه تيمور، الذي بات شبه محسوم أنه المرشّح على أحد المقعدين الدرزيين في الشوف، مكان والده، على الرغم من التطمينات التي يحصل عليها جنبلاط من كلّ من القوات وحزب الله. وبطبيعة الحال، فإن التحالف مع عون والقوات والحريري، بمعزلٍ عن القانون، يعني حكماً أن النائب عن المقعد الماروني في عاليه فؤاد السعد، والذي يعتبره جنبلاط من حصّة البطريركية وليس من حصّته، سيكون من نصيب وزير الطاقة سيزار أبي خليل، الفائز بأصوات التيار الوطني الحرّ، وصاحب الحضور الذي لا يستهان به في القضاء. ويعني أيضاً، أن مقعد النائب فادي الهبر، الأرثوذكسي، سيؤول إلى القوات، فلا يكون جنبلاط قد خسر شيئاً، طالما أن عون، لن «يسخى» بإخراج هنري حلو من نادي النّواب. أمّا في الشوف، فمقعد النائب دوري شمعون سيكون من حصّة رئيس الجمهورية، فيما تحتفظ القوّات بمقعد النائب جورج عدوان، وبالتالي جنبلاط لم يخسر شيئاً، إلّا إذا أصرّ عون على مقعد النائب إيلي عون لمصلحة ماريو عون، أو النائب نعمة طعمة لمصلحة غسّان عطاالله، أو أصر عون أو الحريري على مقعد النائب علاء الدين ترّو، وهذه لا علاقة للنسبية بها. الخسارة المحتملة إذاً، هي في النواب الجنبلاطيين الدروز وحدهم. من هنا، لا يوفّر جنبلاط جهداً للضغط في سبيل تعديل الدوائر، وضمّ عاليه والشّوف بدائرة واحدة ليضمن الكتلة الدرزية الأوسع، وعندها، ستعود قوته إليه، وبإمكانه وقتها أن «يتدلّع» ليختار تحالفاته الانتخابية. وربّما «يتدلّع» أكثر، إذا ما حصل على ذِكر «إنشاء مجلس شيوخ»، في صيغة أي قانون انتخابي جديد.
أزمة جنبلاط العميقة، هي خوفه من أن تمرّ المرحلة الانتقالية الحالية في النظام اللبناني وتوسّع دور المسيحيين على حسابه، وهو في عزّ حاجته لتوريث ابنه. وهذه الأزمة حقيقية، ولها جذور، وأساسها أن جنبلاط لم يعد يملك حليفاً، لا داخلياً ولا خارجياً، بعدما تقلّب وتقلّب وتقلّب. وهو، لا يزال يغلق الباب أمام تيمور جنبلاط، الذي يحتاج بشكلٍ مُلِحّ إلى أن يرفع سمّاعة هاتفه، ويطلب موعدين على عجل، واحدٌ في حارة حريك، وآخر في دمشق، علّ طمأنينة الدّروز، التي لا يزال يؤمّنها الجيش السوري وحزب الله وحدهما، تتحوّل إلى طمأنينة جنبلاطية.
أمرٌ آخر جدير بالذكر: في هذا الوقت العصيب بالذات، فإن راية يا «غيرة الدّين» التي يرفعها جنبلاط في وجه النسبية التي وُجدت لحماية الأقليات في العالم، ستُتيح لآخرين، من ذوي التشدّد الجديد عند الدروز، استخدامها لتعزيز «الخوف من الآخر»، أيّاً يكن، وفي سبيل البحث عن حامٍ وراعٍ خارجي للدروز في المنطقة، كإسرائيل مثلاً، التي تسوّق نفسها دائماً حامياً للأقليات... ولـ«غيرة الدين».