يوجد "شيء" في لبنان اسمه نهر الغدير. لسببٍ ما يُصرّ الجميع على تسميته كذلك. لا بأس. في الواقع، إنّ هذا الشيء، السائل غالباً، هو عبارة عن "مجرور" فاخر... ومِن صنف فريد جدّاً. تصنيفه البيئي، مِن قبل الخبراء، يقع في المرتبة الأولى لأكثر "الأشياء" تلوّثاً.


هل ثمّة لبناني يُشاهد نشرات الأخبار، أو يَقرأ الصحف، لم يَسمع به سابقاً؟ حتّى لو نجا بنفسه مِن المتابعة الطوعيّة، وهذا صنف نادر، فأين يفرّ مِن "دردشة" سائق التاكسي أو صاحب الدكان أو "البنشرجي"؟ في نهاية الأمر، حتماً، سيسمع بنهر الغدير. إنّه ذاك "المجرور" المُعتّق، الذي تفوق شهرته، في هذه البلاد، شهرة الأمازون والنيل والفولغا مجتمعة. شبنا اليوم وقد كنّا صغاراً نسمع عن "أزمة" الغدير في حيّ السلّم - الشويفات. قبل أيّام صرّح وزير الأشغال العامة، يوسف فنيانوس، قائلاً: "إنّ مياه نهر الغدير لم تعد مياهاً عاديّة بل هي مياه مجارير". بدا أنّ الوزير اكتشف الأمر توّاً. لم تعد مياهاً عاديّة؟ حسناً، متى آخر مرّة كانت كذلك؟ أرشيف الصحف، على الإنترنت، لا يعود بنا أبعد مِن أواخر تسعينيات القرن الماضي. هناك حيث نجد تقارير شكاوى الناس وصرخة "وين الدولة"؟ أرشيف الصحف الورقي، ما قبل الإنترنت، يزخر أيضاً بحكايات ذاك "المجرور" الأبدي.
قبل أربع سنوات، ضربت المنطقة عاصفة قويّة، فطاف "المجرور" ليدخل بيوت "الكائنات" القاطنة على ضفافه. خرِب الأثاث وتعطّلت الكهرباء (الشحيحة أساساً). طافت المنطقة كلّها. في حيّ السلّم لا يوجد بنى تحتيّة أصلاً. هذا ليس تعبيراً مجازيّاً. لا، حرفيّاً لا يوجد. هكذا يقولها رئيس بلديّة الشويفات بصوته الأجش. تَصدّر "مجرور" الغدير آنذاك أخبار وسائل الإعلام. أعلنت الحكومة حيّ السلمّ "منطقة منكوبة".


الوزير اكتشف
الأمر توّاً...
لم تعد مياهه عاديّة؟

مشاهد الذلّ التي كانت تنقلها الكاميرات صدمت كثيرين. "في هيك شي"! ساكنو تلك المنطقة، أو جيران "المجرور" بمعنى أدق، هم في غالبيتهم مِن منطقتي الجنوب والبقاع. فجأة، ظهر الفرسان على الساحة. نزلوا لنجدة "المحرومين". إنّهم نوّاب ووزراء تلك "البيئة". النائب علي عمّار انتعل "جزمة" جلديّة. كان صامتاً. بدا حزيناً فعلاً. إلى جانبه كان الوزير حسين الحاج حسن. بدا منفعلاً. ألقى "ستريو تايب" بأداء ممتاز. يحفظه عن ظهر قلب. كان آنذاك وزيراً للزراعة. ظهر إلى جانبهما الوزير علي حسين خليل. كان يومها وزيراً للصحة، فقال: "نحن أمام كارثة". المُهم، وعدوا بحلّ "الأزمة". ساروا في الأزقّة، فغطست أقدامهم في الوحل، وإلى جانبهم "باقة" أخرى مِن السياسيين، الذين لا يزال سبب وجودهم في تلك الجولة لغزاً، مِنهم: النواب قاسم هاشم وعلي المقداد وإميل رحمة. "جاكيت" الأخير الجلديّة السوداء أضافت رونقاً خاصاً للمشهد. كان يسير خلفهم الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة، العميد إبراهيم بشير، القابع الآن في السجن بتهمة "الاختلاس".
الآن، مع أزمة "النورس" ومطمر "الكوستا برافا" والمطار، عاد الحديث مُجدّداً عن نهر الغدير. هذا بحث منفصل. النهر، أو المجرور الذي ينتحل صفة نهر، هو قضيّة قائمة بذاتها. عشرات آلاف الناس يَسكنون في المناطق التي يَخترقها مجراه. أشبه بساقية. أكوام النفايات وسطه وعند أطرافه يسهل رؤيتها مِن الطائرة. مئات المصانع والمعامل ترمي نفاياتها فيه، فيُصبح تارة لونه أبيض، وأحمر تارة أخرى، وذات مرّة فعلاً أصبح لونه أزرق. نفايات كيميائيّة قاتلة. قبل 11 عاماً وقع طفل فيه ومات. مات غيره أيضاً. يكفي أن تلامسه حتى تُصاب بتسمّم. أتربة ورمول وأبقار نافقة وأمعاء حيوانيّة تتكدّس فيه. صرف صحي والكثير مِن "الكاكا" العائمة. يصل في النهاية إلى البحر، صحيح، ولكن مسألة طيور النورس تُصبح تفصيلاً عند معرفة أنّ القاطنين قرب "المجرور العظيم" أصبحوا يألفون مرضاً يُصيب العيون. لا يعرفون ما هو. كذلك البثور الجلديّة. ضيق تنفّس. هذه أمور يُمكن معاينتها مباشرة. أمّا السرطان، ذلك الملعون، وغيره مِن الأمراض العميقة... فمَن يدري بأسبابها هناك؟ غير النهر، في تلك المنطقة شيء يُسمى محطة تكرير، وهذه تُجلَب إليها نفايات ومجارير مِن مناطق بعيدة، وذلك تطبيقاً لمقولة "زيادة في الخير". يُقال إن "البنك الإسلامي" قدّم سابقاً هبة بنحو 85 مليون دولار مِن أجل "مشروع الغدير"... فأين هي؟ هناك حديث عن هبات أخرى موجودة أيضاً. لكن، هل هذا موضوع يَحتمل انتظار الهبات أصلاً؟ الحديث ليس عن تزفيت طريق. عموماً، المسألة قديمة جدّاً، وأكثر مِن مملّة. حسناً، يُمكن أن يُقال لكلّ "المعنيين" لا تفعلوا شيئاً. دعوا كلّ شيء على ما هو عليه. دعوا الناس هناك يقضون مواتهم بهدوء بعدما اعتادوا الأمر. بعيداً عن العراضات الهزليّة. لكن، وأقلّه يعني، غيّروا اسم النهر. عيب.