قبل ثلاثة أيام، شنّ النائب وليد جنبلاط هجوماً ساخراً على مجلس الإنماء والإعمار لرفضه التعاقد مع إحدى الشركات من أجل رشّ مطمر الكوستا برافا بمواد منفّرة للطيور. قال جنبلاط عبر تويتر: «اعتذر على الإلحاح حول موضوع سلامة الطيران وقد لا أكون أملك معطيات كبار العلماء في مجلس الإنماء والإعمار، ولا خبرة الخبير الفرنسي الذي سقط منه سهواً أهمية اللجوء إلى الصقور، كما نميَ إليّ من مرجع موثوق.


أياً كان ثمن إبعاد مكب النفايات عن مطار بيروت كي لا تقع الكارثة. بالأمس شارفناها على لحظة». وغرّد أيضاً: «إن محاولة التخفيف من خطر المكب لهو بدعة وتحايل على الرأي العام وعندما تقع الكارثة لا نفع للندم».
مهما تكن خلفية تغريدات جنبلاط وهجومه على الخبير الفرنسي وعلى المجلس أيضاً، فإنها لم تراع حقيقة أن الاتفاق على المطمر جاء تحت وصايته عبر رئيس لجنة إدارة أزمة النفايات الوزير السابق أكرم شهيب. ولم يحتسب أيضاً أن هذه التغريدات جاءت بعد أسابيع على سقوط اقتراح شهيّب التعاقد مع إحدى الشركات لرشّ المطمر بمواد سامّة منفّرة للطيور.
فكرة التعاقد مع شركة لرشّ مواد منفّرة للطيور لم تكن منفصلة عن الإجراءات الأخرى التي اقترحها شهيب، غير أنها كانت من اختصاص وزارة الزراعة حصراً. ففي 17 آب 2016 وجّه شهيب كتاباً إلى رئيس مجلس الإنماء والإعمار نبيل الجسر يشير فيه إلى قلق إدارة المطار من تكاثر الطيور من جراء طمر النفايات، لأن الطيور يجذبها لمعان بعض المواد الممكن طمرها ورائحة البعض الآخر من المواد، طالباً ضمان تنفيذ أربعة إجراءات على النحو الآتي:
ــ التشدد في عملية الفرز قبل الطمر لسحب كل المواد الممكن إعادة تدويرها وهي بطبيعتها ومع انعكاس الشمس عليها تلمع فتجذب الطيور.
ــ التشدد في تغطية المطمر بشكل يومي بطبقة عازلة من التراب.
ــ الطلب من المتعهد رشّ مواد منفّرة للطيور يومياً على مساحة المطمر فوق النفايات، على أن تكون غير ضارة بالعمال والبيئة البحرية كـ: Methiocarb.
ــ وضع آلات ذبذبات نافرة للطيور (Utlrasonic Birds Repulant) على حدود الموقع.
اقتراح شهيّب نوقش في مجلس إدارة مجلس الإنماء والإعمار، الذي طلب المزيد من التوضيحات من أجل تبيان الكميات اللازمة لرش المواد وطرق الاستعمال والكلفة وسواها. وبحسب المعطيات المتداولة، فإن شهيّب مارس ضغوطاً واسعة من أجل تطبيق خيار رشّ المواد المنفّرة للطيور، مستنداً في ذلك الى اقتراح من إحدى إدارات الاتحاد الأوروبي، أما الصيغة التي اقترحها شهيّب فكانت واضحة وهي «الطلب من المتعهد»، أي أن الهدف دفع المتعهد إلى شراء كميات من المادة المذكورة.
في 14 تشرين الثاني، تلقى المجلس كتاباً ثانياً من وزير الزراعة السابق يشرح فيه أهداف واستعمالات مادة Methiocarb. يقول شهيب، إن مساحة المطمر 137 ألف متر مربع وهي تتطلب رشّ كمية يومية تبلغ 24 كيلوغراماً تتوزّع على ست مرّات يومياً، تبدأ قبل الشروق وتنتهي مع الغروب.


كلفة رش السموم تزيد
على 5.5 ملايين دولار خلال
فترة أربع سنوات

أما مساحة موقف ركن النفايات البالغة 58 ألف متر مربع، فيجب أن يرشّ بـ 174 كيلوغراماً تتوزّع على مرتين يومياً، أي أن مجموع الكميات التي سترشّ يومياً تبلغ 198 كيلوغراماً. هذا يعني أن كمية المواد السامّة المنفّرة للطيور ستفوق 72 طناً سنوياً، وبكلفة إجمالية تزيد على 5.5 ملايين دولار خلال فترة أربع سنوات، إذ إن سعر الكيلوغرام الواحد منها يبلغ 20 دولاراً.
هذه المعطيات نوقشت في مجلس الإنماء والإعمار، وتم تكليف شركة «سوكوتك» الفرنسية، التي عرّف عنها جنبلاط باسم «الخبير الفرنسي»، فأبدت رأياً مختلفاً، جاء فيه أن المادة المذكورة تعدّ من المبيدات السامّة والضارة بالبيئة البحريّة، كما بالعاملين في محيط موقع المطمر.
في خلاصات "الخبير الفرنسي" أن رشّ هذه الكمية من السموم بانتظام وعلى طبقات فوق بعضها البعض سيرفع من كمية السموم في المطمر إلى درجة عالية، وبالتالي سيكون تأثيرها سلبياً جداً على البيئة البحرية وعلى صحّة العاملين في المطمر، فضلاً عن أن نتيجتها في تنفير الطيور ليست مستدامة، إذ إن الطيور قد تعتادها تماماً كما تعوّدت على الآلات المصدّرة للأصوات.
هكذا سقط جزء من مشروع شهيب، المتعلق بالتسميم، إلا أن الإصرار على إقراره، رغم رأي الخبير الفرنسي، أثار الكثير من الشبهات حوله، وحول الشركة التي تستورد هذه المادة إلى لبنان، وكون الاستيراد محكوماً بالحصول على إذن من وزارة الزراعة حصراً ولا يمكن لأي إدارة ثانية إصداره.
ما يثير الاستغراب أن مادة Methiocarb، بحسب تعريف الاتحاد الأوروبي، هي مبيد حشري «كارباماتي» يستخدم لمطاردة (وقتل) الطيور، تصنّعها شركة واحدة في العالم اسمها «Bayer Cropscience»، وهي تستخدم في أوروبا لقتل ومطاردة البزاقات من الأراضي الزراعية، ولكنها ابتداء من عام 2014 باتت ممنوعة أوروبياً نظراً إلى كون أثرها «كارثياً» على طيور المزارع آكلة الحبوب. (http://www.fwi.co.uk/arable/eu-will-ban-methiocarb-slug-pellets-after-19-sept.htm ، http://www.pan-uk.org/pestnews/Actives/Metaldeh.htm)
وفي لبنان كانت هذه المادة تستعمل لرشّ العنب ومنع العصافير من أكله، إلا أنها منعت أيام كان وزير الزراعة حسين الحاج حسن، وشجّع بدلاً منها «انترانيلايت». يومها، تبيّن للجنة المعنية باستيراد الأدوية الزراعية أن مادة Methiocarb هي سمّ مركّز يترك ترسبات مرتفعة من السموم ويتسرّب إلى جوف الأرض ويؤدي إلى تسميم المياه الجوفية، فضلاً عن كونه مؤذياً للبشر أيضاً بدرجات عالية.
لا أحد يعلم كيف عادت هذه المادة إلى لبنان، إلا أن الأكيد أنها ظهرت في الكتب الرسمية التي وجّهها شهيّب إلى مجلس الإنماء والإعمار من أجل شرائها واستعمالها لإبادة الطيور في المطمر، وعندما رفضها المجلس، شن جنبلاط هجوماً على الخبير الفرنسي وعلى «علماء» مجلس الإنماء.




مكامن الخطر والحلول

أظهر تقرير الخبير الفرنسي إن الخطر على سلامة الطيران يأتي من ثلاثة مصادر أساسيّة: مطمر النفايات، مصبّ نهر الغدير الملوّث بالمياه الآسنة، ومزارع الحيوانات والطيور الموجودة في محيط المطمر أيضاً، على اعتبار أنها شكّلت بيئة جاذبة لنمط حياة الطيور وسمحت بتكاثرها، ومن هنا تبرز ضرورة المباشرة في التخلّص منها عبر اتباع الخطوات الآتية: 1- استعمال أجهزة إصدار أصوات حيوانيّة طاردة تعتمد على الأصوات الكهروسمعيّة المنخفضة. 2- إطلاق النار على الطيور. 3- استخدام ضوء اللايزر بنسبة إشعاع منخفضة.




اختيار موقع المطمر غير حكيم

تقول شركة سوكوتك الفرنسية، إن اختيار موقع المطمر لم يكن حكيماً نظراً إلى قربه من المطار والبحر، حيث توجد الطيور التي تشكّل خطراً على سلامة الطيران، وهو خطر يضاف إلى المخاطر المحتملة التي تبثّها النفايات المطمورة فيه. ولا شك أن استعمال الأجهزة الطاردة للطيور لأربع أو خمس سنوات، سيسهم في إبعاد الطيور عن المطمر، لكن فعاليتها مرحلية، لأن الطيور ستندمج مع الأصوات الصادرة من هذه الأجهزة وستتحوّل إلى جزء من بيئتها، ولن يعود استعمالها فعّالاً لطردها.





فساد على هامش الفساد

عندما انفجرت قصّة طيور النورس وأثرها على حركة الملاحة الجوية، كان غريباً أن ينكشف وجود حفر ماء عذب ضمن حرم مطار بيروت الدولي. شكّلت هذه المستنقعات العذبة مركز جذب لطيور النورس، وتبيّن أنها لم تكن موجودة سابقاً، ما أثار الكثير من علامات الاستفهام حول كيفية ظهور هذه المستنقعات العذبة. وبحسب المعطيات المتداولة، فإن أحد المقاولين العاملين في مجال تجارة الرمل استحدث هذه الحفر من أجل سرقة الرمول وبيعها! هذه المعطيات ظهرت إلى العلن من دون ينفيها أو يؤكدّها أحد، إلا أن الثابت في الموضوع أنه جرت اتصالات سياسية للمللمة الموضوع وسط تساءلات عن قدرة هذا المتعهد على الدخول والخروج والحفر داخل حرم مطار بيروت