قبل الأمن ومحاربة الإرهاب وعلاقات لبنان العربية وملف النزوح السوري، وقبل الأزمات الاقتصادية والاستثمار في الموارد الطبيعية والبشرية، قبل هذا كله، استهل الرئيس ميشال عون خطاب قسمه بعبارة واضحة تقول إن أولى موجبات المناصفة إقرار قانون انتخابيّ يؤمّن عدالة التمثيل قبل موعد الانتخابات.


يومها، لم يكن الجنرال يرتجل ما تطلبه الجماهير أو يقدم مطالعة أمام النيابة العامة المالية على غرار الإبراء المستحيل، إنما كان يؤدي ما وصفه بـ»يمين الإخلاص للأمة». ولا شك في أن الرئيس الذي يختار كل كلمة يقولها بدقة هائلة بما في ذلك العبارات الانفعالية في نظر الجمهور، كان يعرف جيداً ماذا يفعل حين وضع تلك العبارة دون سواها في مطلع خطابه. فميشال عون الزعيم كان يقول قبل أن ينتخب رئيساً إن إعادة تكوين السلطة والخطوة الأولى في مسيرة التغيير والإصلاح الطويلة هي تغيير قانون الانتخابات. ولا يمكن بالتالي التصديق أن الانتخابات ستجري في مطلع عهد عون وفق قانون الستين الذي لا يؤمّن، بحسب الرئيس نفسه، عدالة التمثيل.


ما يحتاجه العهد هو سلة قرارات جريئة تؤكد للبنانيين أن عون لن يساوم

فالعماد عون الذي يحترم منذ عودته مقتضيات الواقعية السياسية ويلتزم الجلوس تحت سقف النظام المنخفض، ما كان ليقول ما قاله لو لم يكن يعلم بأن معظم الملفات تحتمل التسويات، لا بل تطلبها، لكن هناك قضايا لا تحتمل انتظار الإجماع ولا تحتاج إجماعاً أساساً. ثمة مسلّمات لم يوحِ العماد عون يوماً أنه سيضعها على طاولة البحث أو «يأخذ ويعطي» بشأنها مثل حق لبنان بحماية حدوده وحق اللبنانيين بإجراء الانتخابات وفق قانون انتخابي يؤمن عدالة التمثيل. ومن لا يعرفون العماد عون يقولون إنه سيسير مرغماً بقانون الستين أو إنه ينتظر نتيجة مباحثات فلان وعلتان. لكن من يعرفونه ومن احتفلوا من صميم قلوبهم بانتخابه رئيساً لا يسعهم تصديق هذا كله. فلا شك أن رئيس الجمهورية أجرى ويجري كل التحصينات اللازمة ليخرج إلى شرفة القصر ويقول: «هذا قانون انتخابيّ على مقاس شعب لبنان العظيم، لا هذا الزعيم وذاك». علماً أن «الشعب» تضامن عامين مع رفض العماد عون وحلفائه انتخاب رئيس لا يؤمن عدالة التمثيل، فلماذا يفترض به الموافقة اليوم على انتخاب نواب لا يؤمنون عدالة التمثيل. ولا شك في أن هذا «الشعب» يتفهم كل نظريات العونيين عن الوفاق السياسي والتوافق وغيره، لكنه ينتظر اللحظة التي يتأكد فيها الجميع أن من في بعبدا اليوم ليس الرئيس ميشال سليمان أو الياس الهراوي حتى ينتظر موافقة وليد جنبلاط ونبيه بري وسعد الحريري على كل قرار يتخذه، بل هو الجنرال ميشال عون الذي سيضرب بيده على الطاولة ويقول لكل من يعنيهم الأمر: أنا أقسمت على إقرار قانون انتخابات جديد يصحح التمثيل قبل موعد الانتخابات. ما يحتاجه العهد اليوم بعد سلة التسويات هو سلة قرارات جريئة تؤكد لجميع اللبنانيين أن ميشال عون لن يساوم على حقوقهم الأساسية التي تبدأ بقانون الانتخابات العادل، ولا شيء سيعطي العهد دفعاً أكبر من القول إنه يهادن ويبحث عن تسويات حيث يحتمل الأمر تسويات، لكنه حازم وقاطع ولا يمزح البتة حين يتعلق الأمر بالحقوق الأساسية والبديهية للمواطنين. فميشال عون الذي ابتهج كثيرون بانتخابه رئيساً هو الرئيس الذي سيزعزع نظام المحاصصة القائم بفضل قانون الستين، لا الرئيس الذي ينكث بقسمه. ميشال عون الذي ابتهج كثيرون بانتخابه رئيساً هو الرئيس الذي يقول للبنانيين وفيت بما وعدتكم به: لبنان دائرة واحدة في قانون انتخابيّ وفق النظام النسبي يسمح بإنهاء الاحتكارات المذهبية ويفسح المجال أمام تجديد القوى السياسية ويعطي كل صاحب حق حقه دون زيادة أو نقصان، ويتيح الانطلاق في ورشة الإصلاح الحقيقية.