نجح ولاة أمر «أمير الكبتاغون»، عبد المحسن بن وليد آل سعود، في إقناع مرافقه السعودي يحيى الشمّري بـ«فداء وليّ نعمته» بنفسه عبر تحمّل السجن وحده، بعدما أوقِفا معاً في مطار رفيق الحريري الدولي، في ٢٦ تشرين الأول 2015، وهما يحاولان تهريب نحو طنّين من المخدرات من بيروت إلى السعودية، في طائرة «أميرية».


وبعد مرور أكثر من سنة على إصرار الشمّري على إفادته بأنّ الحبوب وُضِّبت بأمر «الأمير»، في أربعة وعشرين صندوقاً وثماني حقائب تحتوي على كمية تزن 1905 كيلوغرامات من حبوب الكبتاغون، وزُوِّدت بملصقات تفيد بأنّها لـ«صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن وليد آل سعود»، قرّر الشمري، بقدرة قادر، أن يُغيِّر إفادته، مبرِّئاً أميره من العلم بأمر المخدرات من أساسه.
لم يُعِر الشمّري أمر إذلاله على مدى عام أهمية، رغم زجّه في نظارة مكتب مكافحة المخدرات المركزي المكتظّة، بينما ينعم «الأمير» بالاستقلالية في غرفة تكاد تتجاوز في حجمها غرفة رئيس المكتب نفسه. ويبدو أن الشمّري حسبها جيّداً. فلو تشبّث بموقفه ماذا كان سيتغيّر؟ بالطبع سيُسجن الاثنان ليخرجا بعد خمس سنوات (انقضى منها عام) ثم يرحّل إلى السعودية حيث سينال جزاءه جرّاء خذلانه «الأمير». هكذا كان الخيار أسهل بالنسبة إلى الشمّري الذي اقتنع بقضاء محكوميّة في السجن اللبناني، ليخرج «الأمير» مقابِل صفقة يُتّفق عليها، لا تُذهِب سنين عمره هدراً ولا تعرّضه للخطر بعد خروجه.


قرر مرافق الأمير تحمّل
وزر الملف برمّته بعد تلقيه وعوداً بعدم التعرّض له في بلاده

وبحسب معلومات «الأخبار»، فقد التقى «وسيط سعودي» بمسؤول عدلي لبناني. وعلى إثر الاجتماع، زار هذا «الوسيط» الموقوف الشمّري ليختلي به في مكتب مكافحة المخدرات المركزي. وبحسب المصادر، نتج من هذه الخلوة «صفقة مشبوهة» تخلي سبيل «الأمير» لقاء أن يتحمل مرافقه كافة تبعات القضية، ويتراجع عن إفاداته أمام المحققين والمحامي العام في جبل لبنان وقاضي التحقيق. أما المقابِل، فصفقة مالية قبِل بها الشمّري، وضمان عدم تعرّضه للملاحقة في بلاده بعد خروجه من السجن. وضبط رجال الأمن ورقة في حوزة الشمري، عليها أسئلة وأجوبة مفترضة لما يُمكن أن يُطرَح عليه في أي جلسة استجواب مقبلة. وقد حُرّر محضر ضبط بحقّه، بعدما كان «يذاكر» ما هو وارد على الورقة، ليظهر بمظهر الواثق في أي جلسة استجواب سيتراجع فيها عن إفادته الأولية.
هذه «المعلومات» كانت كلاماً في الهواء، قبل أن يُستدعى الشمّري للاستماع إلى إفادته أمام رئيس الهيئة الاتهامية في بعبدا القاضي عفيف الحكيم الأسبوع الماضي. وبحسب المصادر، استجوب القاضي الموقوف الذي تراجع عن إفادته، قائلاً إنه المسؤول عن توضيب المخدرات لنقلها إلى السعودية، على الطائرة الخاصة التي كانت بتصرّف الأمير، ومن دون علم الأخير. وإذا أصرّ الشمري على إفادته الجديدة، فهل سيُصار إلى إخلاء سبيل الأمير؟ مع الإشارة إلى أنه في حال تحققت هذه الخطة، لن يكون «أمير الكبتاغون» متّهماً حينذاك سوى بتعاطي المخدرات، وهي جنحة قضى في السجن أكثر من «سقف محكوميتها».
وفي حال رأى هذا السيناريو النور، سيكون قد تحقّق ما حاول مسؤول في السفارة السعودية «فرضه» على السلطات اللبنانية يوم توقيف «الأمير»، عندما قال للمسؤولين عن التحقيق في المطار: «دعوا صاحب السموّ يغادر إلى المملكة، لأنّه لا دخل له، وأوقفوا الباقين». غير أن المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي داني شرابيه لم يكترث لكلام الدبلوماسي، واستكمل إجراءات التحقيق بحسب الأصول.
وتجدر الإشارة إلى أن التحقيق كان قد شهد تضارباً في إفادات الموقوفين. فعندما سُئل الأمير عن المضبوطات، ردّ بأن لا علاقة له بتهريب المخدرات، وبأنه يتعاطى «حبوب الاكستاسي»، وأنّ الصناديق والحقائب تعود إلى الشمّري. وادّعى أنّ الشمري، وهو صديق شقيقه الأمير عبد العزيز، طلب أن يعود معه إلى السعودية وأن يشحن 13 حقيبة، فوافق لوجود مكان في الطائرة. كذلك زعم أن معرفته بالشمّري سطحية، مشيراً إلى أنه في اليوم المخصص للعودة أعطى يحيى جواز سفره وجوازي سفر مرافقَين له والحقائب العائدة إليهم لتخليص المعاملات، فيما ذهب لتناول العشاء. ولدى ذهابه إلى المطار فوجئ بوجود حقائب كثيرة مع الشمّري مكتوب عليها اسمه. وقال إنّه استخدم هاتف يحيى للاتصال بوالده لإبلاغه بأن المخدرات لا تعود إليه، لأن بطارية هاتفه كانت فارغة. غير أن الشمري أفاد بأنّه جاء إلى لبنان بناءً على طلب خالد الحارثي، وكيل الأمير. وقال إنه تولى استقبال الأمير السعودي واستأجر له السيارات، مؤكداً أن لا علم له بموضوع المخدرات. لكنه عاد واعترف بأن الحارثي طلب منه توفير كمية من حبوب الكبتاغون لنقلها إلى السعودية، على أن يسهّل الأخير دخولها كونه وكيلاً للأمير. وبعد البحث، علم أن الشمري استحصل من شخص سعوديّ على رقم هاتف شخص أردني يملك مصنعاً لإنتاج الكبتاغون في لبنان، واتفق معه على أن يحضر الأمير السعودي والحارثي إلى لبنان في طائرة خاصة لشراء الحبوب. إلا أن الشمري عاد وتراجع عن أقواله، زاعماً أنه أدلى بها تحت الضغط، وأنّ حبوب الكبتاغون التي وجدت في حقيبته حصل عليها من الحارثي. وبما أنّ هاتفه كان مع الأمير، رجّح أن يكون الأخير قد أجرى الاتصالات المشبوهة. وذكر أن حبوب الكبتاغون تعود إلى الأمير وأن الحارثي هو أساس عملية التهريب. غير أنّ قاضي التحقيق ربيع حسامي في قراره الظنّي خلص إلى تورط الأمير عبد المحسن آل سعود، استناداً إلى أقوال الشمري في التحقيقين الأوّلي والابتدائي بأن حبوب الكبتاغون تعود إليه، واستناداً إلى إفادة أحد مرافقي الأمير. ورأى الحسامي أن عدم تمويه الصناديق أو تخبئة الحبوب المخدرة يدل على أن القائم بالعملية على اقتناع بأن الصناديق لن تخضع للتفتيش، وهذا ما لا يستطيع أن يقوم به إلا الأمير.
واتصلت «الأخبار» بالقاضي الحكيم الذي رفض التعليق على القضية، «بسبب سرية التحقيق».