إذا كان الإجماع اللبناني قد تحقق حتى الآن على تحديد موعد الانتخابات النيابية ورفض تأجيلها، ولو من دون الاتفاق على أي قانون انتخاب ستجرى على أساسه، فذلك يعني ان مرحلة جديدة من التفاهم الاقليمي والدولي حول الوضع اللبناني في طريقها الى ان تترجم عملياً بعد الانتخابات الرئاسية وتأليف الحكومة. لكن من دون ان يظهر في شكل واضح ما يراد لهذه الانتخابات ان تحققه. فكلام وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، في دافوس، وبخلاف مواقف رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع الذي لا يزال مصراً على لبننة الاستحقاق الرئاسي، أعطى للمرة الاولى صورة واضحة، من على منبر دولي، عن هذا التفاهم السعودي ــــ الايراني الذي سمح بإجراء الانتخابات بعد شغور عامين ونصف عام، وما تلاها من ترتيب تسارعت فيه وتيرة الايجابيات الداخلية، وخاصة من جانب حزب الله، لتأليف حكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري نفسه الذي سبق أن اُخرج من الحكومة ولبنان، لا سيما ان السرعة التي جرى فيها الاستحقاقان، وخلفياتها، كانت لا تزال موضع نقاش سياسي، الى أن قال ظريف ما قاله.


وقبل كلام الوزير الايراني، جاء كلام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن دمشق التي «كانت ستسقط في أسبوعين أو ثلاثة في أيدي الارهابيين» لولا التدخل الروسي، ليعيد تصحيح الكلام عن مسار سياسي وعسكري اقليمي ودولي بلسان القائمين به، بعد كل الاحاطات التي جرت حول التدخل الروسي ومعركة حلب وقدرة النظام على السوري على مواجهة أعدائه. وأهمية ما تحدث به ظريف ولافروف، وكلاهما يستعدان لمؤتمر أستانة حول سوريا، انه يعيد رسم التدخل الدولي والاقليمي في سوريا ولبنان ويؤكد بقاء الوضع الاقليمي برمّته في ثلاجة الانتظار.


الخلافات حول القانون
مماحكات قبل نضوج المرحلة الثالثة من التفاهم الاقليمي

فروسيا وايران اللتان تنتظران بدءاً من اليوم، بعد تنصيب الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب، آفاق التعاون الاميركي مع روسيا التي تراهن عليه لإيجاد حل لمعضلة اوكرانيا ورفع العقوبات عنها، ومستقبل الاتفاق النووي مع طهران، ومعالجة الملفات العالقة اقليمياً، قد تجدان نفسيهما امام حالة جديدة من التعاطي في ما بينهما، في ضوء ما يمكن ان تتجه اليه ادارة ترامب ومؤتمر أستانة والتفاهم الروسي ــــ التركي حول سوريا.
فحتى الآن، لا يزال مستقبل سوريا غير واضح، لا جغرافياً ولا سياسياً، وكذلك الامر بالنسبة الى الوضع اليمني الذي تناوله ظريف ايضاً في كلامه العلني، والعراقي حيث تتواصل الحملة ضد تنظيم «داعش» في الموصل. ولا يخرج الوضع اللبناني الذي أحيط بعناية اقليمية عن هذا الخط التصاعدي الذي يحتاج الى مزيد من الوقت كي تتبلور رؤية روسيا وايران له، إذ إن وضع سوريا ولبنان يعني استراتيجياً للدولتين معاً، كما لمستقبل العلاقات بينهما في ضوء نقاط الاختلاف والالتقاء بينهما، لا سيما حول سوريا ودور ايران وحزب الله فيها.
تبعاً لذلك، يدخل لبنان مجدداً في حالة ترقب اقليمية، لا صلة لها بأجواء التهدئة الداخلية التي أنتجت حكومة «وطنية» تجمع مختلف الافرقاء السياسيين فيها. وهذا يعني أنه لا يمكن ان يحسم مبكراً مصير الوضع الداخلي، وما اذا كانت هناك نية جدية لإنقاذه بالكامل، بدل ابقائه على خط الزلازل الاقليمية، قبل أن يحسم مصير الانتخابات ووجهتها النهائية وما يراد منها. لأن هذه الانتخابات جزء من مسار الترتيب الذي وضع باعتراف المعنيين به، وبعناية اقليمية ودولية. من هنا تدخل البلاد في فترة انتظار لم يتقرر فيها جدياً سوى موعد الانتخابات بعدما تكاثرت الدعوات الى رفض التمديد. لكن حجم الاحاطة بالاستحقاق الانتخابي وبالقانون يكاد يكون محلياً لا اكثر ولا اقل، لأن الاصرار الدولي سابقاً على اجراء الانتخابات في مواعيدها لم يمنع التمديد مرتين للمجلس النيابي. وتبعاً لذلك، سنكون امام مهلة ثلاثة اشهر وأكثر، تتحول في ضوء التطورات الاقليمية الحالية، ضرورية كي تتضح صورة التفاهمات الايرانية ــــ السعودية أكثر والمنحى الذي ستتخذه في سوريا واليمن والعراق. ويمكن للبنان ان يستفيد من الاشهر الثلاثة لمزيد من التهدئة التي تساعد على استيعاب اكثر لارتدادات ما تقبل عليه المنطقة، قبل معرفة ما اذا كانت الانتخابات النيابية محطة اساسية لإنتاج تطور سياسي «مختلف» في لبنان، أم انها مجرد محطة جيدة لتطبيع الوضع الداخلي بأقل قدر من الاضرار وأكبر قدر من التفاهمات التي تحفظ الاستقرار الداخلي بالتي هي أحسن، في انتظار ان نشهد خلاصات اقليمية نهائية.
اما الخلافات الداخلية التي نشهدها حول القانون العتيد وتفاصيله وشكل التحالفات، فلا تعدو كونها جزءاً من اللعبة الداخلية والمماحكات المحلية الصرف، إذ حين تنضج المرحلة الثالثة من التفاهم الاقليمي، سنشهد تلقائياً إنضاجاً للقانون واتجاه الانتخابات، بالسرعة نفسها التي تم فيها انتخاب رئيس الجمهورية وتأليف الحكومة. وحين نصبح أمام هذا التفاهم الجدي، سينتظم الجميع تحت سقفه، مهما كان نوع الاعتراضات.