َيبحث رضا هذه الأيّام عن "قطعة سلاح" لشرائها. حَسَم الأمر. قضى عمره يسعى لتملّك "قطعة أرض" صغيرة، ليسكن فيها، لكن بلا جدوى. منذ سنوات، عندما بدأ يَسمع عن قانون جديد للإيجارات، وهو يعيش رعباً. يأكله الخوف. يَتّصل بوسائل الإعلام، بالصحافيين الذين يتابعون هذا الملف، ليسألهم عن التفاصيل. ملهوفاً، يَسأل عن التفاصيل، عن "دهاليز" القانون وأحجياته المُعقّدة، عن لغة نصوصه الموعّرة عمداً...


عن مصيره وأمّه المريضة التي يرعاها. بحسب بطاقة الهويّة، فإنّه مِن مدينة صور، مِن الجنوب، لكنّه بيروتي الولادة والنشأة والإقامة. لقد زاد عمره عن الأربعين. لم يتزوّج، مع رغبته، إذ "اليد قصيرة". هو واحد مِن الـ 35 في المئة الذين جرى "تعطيلهم" عن العمل في لبنان. يُقيم في العاصمة، في مِنطقة تلّة الخيّاط، بعقد "إيجار قديم". يَسخر عندما يَعلم أنّ القانون الجديد، بتعديلاته المستجدّة، يتحدّث عن "مساعدة" المُستأجِر (عبر وزارة المال) شرط أن يكون دخله الشهري أقل مِن خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور. ليس لرضا علاقة أصلاً بمختلف أنواع الأجور.


إنّه حاضر للموت دفاعاً
عن «صندوق حجري» يقيه الشمس والمطر

لا الأدنى ولا الأعلى ولا الأوسط. إنّه بلا عمل. هذه الشريحة التي لم يتكلّم عنها القانون الجديد. إنّه يعتمد، منذ مدّة، على الاستدانة لتسديد "الإيجار القديم". قيمته الآن نحو مئتي دولار، ولاحقاً، بفعل القانون، سيُصبح أضعافاً. أكثر مِن ألف دولار. ذنب رضا أنّه ورث هذا الواقع. لم يعرف إلا هذا البيت منذ صغره. لا مكان آخر يذهب إليه مع والدته. لا يُريد أن يُرهق رأسه بعبث القوانين. جدّياً، ينوي اقتناء قطعة سلاح، الآن، رغم نزعته السلميّة. لن يسمح لأحد أن يدخل المنزل. لن يخرج مِنه، الآن أو لاحقاً، بالقوة. يقول إنّه حاضر للموت دفاعاً عن "صندوق حجري" يقيه الشمس والمطر. لا يقبل الحديث في جدليّة المالك والمستأجِر، في الحقّ مع مَن، أو كيف "يُفترض" أن تكون الأمور. لا يُريد أن يستوعب إلا أنّ له سكنه. الآن هو غاضب، ولا شيء سوى هذا.
في الواقع، حالات كهذه، وهي ليست قليلة، تمثّل المصداق الحقيقي لتصوّر مفهوم يُسمّى "حقّ السكن". هذا الذي كان على الحكومة، على السُلطات المعنيّة، أن تضع قانوناً عاماً حوله، بدل الدخول في متاهات مرحليّة، أو بمعنى آخر بدل وضع المواطنين في مواجهة بعضهم بعضاً. هكذا تصنع السُلطة فتنة بين الناس. أين السياسة الإسكانيّة في لبنان؟ حسناً، هذا ليس سؤالاً، إنّه طرفة. إنّه مِن الأسئلة، بفعل الجواب المعلوم ضمناً، التي تُثير الضحك، وفق مقولة "شرّ البليّة ما يُضِحك". نحن نمزح الآن. ولمزيد مِن المرح، سنقرأ في المادة 25 مِن "الإعلان العالمي لحقوق الإنساني" أنّه "لكلّ شخص الحقّ في مستوى مِن المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحّة والرفاهيّة، له ولأسرته، ويَتضمّن ذلك التغذية والملبس والمَسكن والعناية الطبيّة، وكذلك الخدمات الاجتماعيّة اللازمة". بالمناسبة، يُعتبَر هذا النص جزءاً مِن الدستور اللبناني، لكون الفقرة "ب" مِن مقدّمته تقول: "لبنان عضو مؤسّس وعامل في منظّمة الأمم المتحدة، وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء". لم يَكن رضا، قبل أيّام قليلة، يَعرف هذا النص. بدت على وجهه ملامح الرضى عندما عرف به. زاده الأمر إصراراً على موقفه. تُخبره أنّ هذه مجرّد نصوص، حتّى وإنّ قالوا إنها دستوريّة، وأنّ لعبة "الواقع" المُعاش، أو لعبة القوي والضعيف، هي الدستور الوحيد الحقيقي في هذه البلاد، بل في العالم. يهزّ رأسه. يقول: "أعرف، لهذا سترى ما سأفعل". في مطلق الأحوال، لا بأس بالمرح، وإن جاء هذه المرّة على شكل "واقع" ودساتير وقوانين.
حسناً، لدينا المزيد مِن السخريّة. هناك شيء اسمه "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة". أقرّته أمم الكوكب قبل نحو نصف قرن. الجمهوريّة اللبنانيّة أقرّته أيضاً. تقول المادة 11 مِنه: "تُقرّ الدول الأطراف في هذا العهد بحقّ كلّ شخص في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، يوفّر ما يفي بحاجتهم مِن الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشيّة. وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحقّ". نعم، طبعاً طبعاً، هذه "دولتنا" الفذّة اتخذت، أخيراً، التدابير اللازمة لإنفاذ "حق السكن". كيف؟ مِن خلال قانون الإيجارات الجديد. دولة زرع الشقاق. دعك مِن حكاية المالك والمستأجِر، مَن الظالم ومَن المظلوم، هذه مجرّد قنابل دخانيّة للاستهلاك الإعلامي. القضيّة في "حق السكن". هنا الأصل. كيف يحصل هذا؟ إنّه شأن مَن هم في السلطة. شأن أصحاب "الحدّ الأعلى" للأجور. شأن نزلاء القصور فيما "خرافهم" مِن "الاسطبلات" محرومون.
لنأمل ألا يَجد رضا مَن يبيعه قطعة سلاح. لنأمل ألا يفلح الناهبون الكبار في جعله قاتلاً.