أتت العقود الأربعة الماضية، أي منذ عام 1975 إلى اليوم، بأضرار كبيرة على لبنان. حرب متقطِّعة لكن هدّامة على امتداد خمس عشرة سنة، بين عامَي 1975 و1990، عاثت في الاقتصاد خراباً ودمرت المجتمع والدولة بكل مظاهرهما. وقد فشل السلم الذي تلى الحرب في تلبية معظم المرتقبات الاقتصادية والسياسية. فالأعوام العشرون المنصرمة حتى عام 2015 شهدت تقلص السيادة والحريات، وانتشار الفساد، ونمواً اقتصادياً خجولاً رافقته فرص عمل قليلة وزيادة في الدين العام لم يسبق لها مثيل.


أصبح الاقتصاد اللبناني ضعيفاً وغير مُنْتِج يُثقلُه دين عام هو من بين أعلى الديون في العالم بالنسبة إلى إجمالي الناتج المحلي. لا يستطيع اقتصاد كهذا أن يُنعش النمو أو يخلق فرص عمل كثيرة أو أن يدعم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. لم يكن الاقتصاد اللبناني قادراً على تحقيق هذا النوع من الأداء حتى في أيام ذروته، أي قبل عام 1975، عندما لم يكن على الدولة أي دين عملياً، وكانت ماليّة الحكومة متوازنة وكان ميزان المدفوعات يسجّل فائضاً بصورة شبه مستمرة. أما اليوم، فالوضع الفعلي والمالي المتردي للاقتصاد وضعف البنى المؤسسية يحملاننا على القول إنه أصبح من شبه المستحيل أن نترقّب عودة النمو الاقتصادي القوي والتنمية الفاعلة. لبنان بحاجة ماسّة إلى إجراءات جذرية لإحداث تحوّل في اقتصاده كي يعود بالرخاء الاقتصادي على معظم اللبنانيين للأجيال القادمة. ليست القضية بكل بساطة قضية ازدهار اقتصادي وحسب، بل أيضاً قضية قابلية النجاح والحياة على المستوى السياسي.


ارتفع مجموع دين القطاع العام من 3 مليارات دولار في
عام 1992 إلى أكثر من 110 مليارات دولار في أواخر 2015

صحيح أن التقدم الاقتصادي في لبنان كان وسيبقى على الأرجح، في المستقبل، على ارتباط وثيق بالتطورات السياسية في المنطقة. واقع الحال هو أن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن نترقّب ازدهاراً اقتصادياً إذا لم تحكم لبنان وتنهض به سلطة سياسية ترى أن التغيير الاقتصادي والتنمية هما من أهم واجباتها الوطنية. وبصورة خاصة، فإن النظام السياسي اللبناني، كونه بحاجة دائمة إلى تعديل موازينه السياسية والقواعد ذات الصلة لتوزيع السلطات السياسية والإدارية، لا يستطيع على الأرجح أن ينتج اندفاعة مستدامة نحو تغيير الاقتصاد تغييراً جذرياً.
من شأن النمو الاقتصادي القوي، الذي يترافق مع تحسين فرص العمل والدخل بالمقارنة مع الحالة السائدة منذ الاستقلال، أن يخلق أرضية مناسبة للإصلاحات السياسية التي ترسي أسس جمهورية تنعم بالازدهار والديمقراطية.
تنفيذ خطة كهذه ممكن اليوم في وضع لبنان الحالي. فلبنان يقف على مفترق طرق، ومعظم سكانه وهيئاته الاجتماعية والسياسية مستعدّون على ما يبدو للقبول بإجراء تغييرات كبيرة ودعمها بعد ثلاثة عقود من الحروب والتراجع الاقتصادي. بتعبير آخر، أمام لبنان فرصة تاريخية وربما فريدة ليضع اقتصاده على طريق مستدام جديد من النمو الاقتصادي والتنمية الراسخَين، بما يسهم في تقوية اللحمة الاجتماعية وإرساء أسس نظام سياسي ديمقراطي.
الإجراءات المقترحة ذات بُعدين، أحدهما بعيد الأمد والآخر قريب الأمد. الغاية من الإجراءات الطويلة الأمد تصحيح الخلل الاقتصادي البنيوي من أجل وضع الاقتصاد اللبناني على سكّةٍ أكثر صلابة وأعظم شأناً من أجل تحقيق النمو الاقتصادي. ستظهر إيجابيات الإجراءات الطويلة الأمد سريعاً، وستتراكم على امتداد فترة طويلة، لكن يجب وضعها موضع التنفيذ في أقرب وقت ممكن. أما الغاية من الإجراءات القصيرة الأمد فهي معالجة المشاكل الآنية للنمو الاقتصادي الضعيف وللدين العام المتزايد. ومن الواضح أنَّ الإجراءات الطويلة والقصيرة الأمد يدعم بعضها بعضاً للوصول إلى النتائج المرجُوَّة.

■ ■ ■


كان أداء الاقتصاد اللبناني ما بعد الحرب مخيّباً للآمال، لأنه لم يرتقِ على الإطلاق إلى مستوى الانتعاش القوي الذي كان يُفترَض ويُتوقَّع أن يتحقق في النشاط الاقتصادي والنمو بعيد انتهاء الحرب. لقد كشف هذا الأداء النقاب عن التصلّبات في بنية الاقتصاد، وظهر ضعفه جلياً لا سيما أن الظروف الأولى بعد الحرب كانت مؤاتية تماماً لحدوث انتعاش قوي في النشاط الاقتصادي. وقد استؤنف النشاط الاقتصادي المعهود انطلاقاً من مستوىً متدنٍّ في الإنتاج ومستوى منخفض نسبياً من الدين العام (جدول 1). فضلاً عن ذلك، سرعان ما استقرَّ سعر الصرف الاسمي، وحافظ على اتجاه تصاعدي منذ تشرين الأول 1992، في حين توسّعت النفقات الحكومية خلال المرحلة الممتدة بين عامَي 1993 و2015.
نعرض في ما يأتي تقويماً لأداء الاقتصاد اللبناني بعد الحرب، في الإجمال، وفي كل قطاعات الاقتصاد الأساسية خلال 1993-2015. سنبين أن الأداء الاقتصادي الضعيف كان مسيطراً في كل القطاعات الاقتصادية، ما يشير إلى أن الفشل الاقتصادي في لبنان كان تراكميّاً وليس ظرفيّاً.

1- النمو والعمالة

تشير أحدث الدراسات الاستقصائية المهنية عن القوة العاملة إلى أن معدل البطالة بلغ 8،5% عام 1997، و11،5% عام 2001، وبين 9% و14% عام 2007. لا تأخذ هذه الأرقام بالاعتبار وضع البطالة الحقيقية، بسبب امتناع عدد كبير من المجيبين في الدراسات الاستقصائية حول وضع القوة العاملة عن الإقرار بأنهم عاطلون من العمل، نظراً إلى الوصمة الاجتماعية التي يُعتقَد أنها تترافق مع البطالة. ثم إن معظم العاملين هم ظرفيّون أو مؤقّتون (نحو 36% منهم يعملون في القطاع الخاص عام 1997)، ما يسلّط الضوء على العدد الكبير للعاطلين من العمل في لبنان. وما لا شك فيه أن معدل البطالة كان ليسجّل مستويات أعلى لولا الهجرة للعمل في الخارج.
تحسين مستوى معيشة اللبنانيين، بما فيه عن طريق توفير فرص العمل، هو حقاً المعيار الأساسي للحكم على الحكومة في الحقلَين الاقتصادي والسياسي. بهذا الصدد، كان رصيد حكومات ما بعد الحرب أبعد ما يكون عن النجاح.

2. العجز والدين: حكومة بدون محاسبة

طوال مرحلة ما بعد الاستقلال، وصولاً إلى مطلع التسعينيات، نجحت الحكومات اللبنانية بطريقة لافتة في الحفاظ على الانضباط المالي. كان الدين الحكومي أقرب إلى الصفر عام 1975، وكان عجز الموازنة ضئيلاً في السنوات الثلاثين السابقة. وبقي الدين الحكومي متدنياً نسبياً حتى أواخر 1992. (جدول 2)
لكن الوضع الحقيقي للدين الرسمي في لبنان ينعكس في مديونية القطاع العام التي يُفهَم بها هنا مجموع حسابات الحكومة وحسابات المصرف المركزي دون غيرهما من المؤسسات العامة ذات الديون الضئيلة نسبياً. بتعبير آخر، علينا أن ندمج ديون الحكومة والمصرف المركزي (بطرح الديون المستحقّة على الحكومة للمصرف المركزي من مجموع الدين الحكومي) لنحصل على مجموع الدين العام، ومن ثم نضيف الدين المستحق على المصرف المركزي للمصارف الأخرى. وسبب التركيز على مصرف لبنان هو أن ديونه للمصارف المحلية ازدادت إلى حد كبير منذ نهاية عام 2000 لتصل إلى أكثر من 71 مليار دولار بحلول أواخر عام 2015. منذ فترة قصيرة، أصبح مصرف لبنان ناشطاً جداً في سوق الدين بلجوئه إلى الاستدانة من المصارف المحلية بصورة خاصة، لدعم احتياطه من العملة الأجنبية، وبالتالي لحماية الليرة اللبنانية وتثبيت سعر الصرف. نتيجةً لذلك، تكبّد المصرف المركزي خسائر كبيرة (يجب في المبدأ إضافتها إلى العجز المالي المعلن عنه) جرّاء الاستدانة من المصارف بمعدلات فائدة أعلى إلى حد كبير من مردود أصوله بالعملات الأجنبية.

كمية الأموال التي خرجت من لبنان أكبر من تلك التي دخلت إليه بعد عام 2011

ارتفع مجموع دين القطاع العام، بحسب تقديراتنا، من 3 مليارات دولار في عام 1992 إلى أكثر من 110 مليارات دولار في أواخر 2015. على كل حال، يسجّل مجموع دين القطاع العام، في المطلق أو بالنسبة إلى إجمالي الناتج المحلي، ارتفاعاً متواصلاً وكبيراً، كذلك شهدت حصة الدين بالعملة الأجنبية ارتفاعاً ملحوظاً لتبلغ 55% من مجمل الدين العام. علاوةً على ذلك، أكثر من 80% من الدين هو حالياً من المصارف المحلية، ما يقوِّض وضعها المالي، والوضع الاقتصادي ككل.
لكن المشكلة الأساسية مع الدين لا تكمن في الحجم الذي بلغه، بل في أساسه أو منشَأه. فالعجز والدين بذاتهما لا يعودان بالضرورة بالأذى أو الضرر على الاقتصاد، بل على العكس، قد يكونان ضروريَّين، وبصورة خاصة بعد زمن الحرب. والمعيار الذي يجعل الدين مناسباً هو مجالات استعماله استعمالاً جيدًا لزيادة الإنتاجية الاقتصادية التي ترفع مستويات المعيشة وتسمح في المستقبل بإيفاء الدين. ولكن هذا ما لم يحدث في لبنان. (جدول 3)
بلغ مجموع نفقات الاستثمار خلال 1993-2014 نحو 9% فقط من مجموع النفقات، مع العلم بأنها لم تُنفَق كلها على مشاريع إعادة الإعمار. يصعب التوفيق بين هذه الأرقام من جهة والمزاعم المتكررة بأن الجزء الأكبر من الديون الحكومية خُصِّص للإنفاق على إعادة الإعمار من جهة ثانية.
إن فشل السياسة المالية والارتفاع المستمر في الدين العام رافقهما عبء مالي متزايد على كاهل الشعب اللبناني. فقد سجّل العبء المالي زيادة بمعدّل الضعف تقريباً في نسبته من إجمالي الناتج المحلي، بحسب ما يظهره مجموع واردات الحكومة، إذ ارتفع من 12% عام 1992 إلى 22% من إجمالي الناتج المحلي عام 2014، وهو ارتفاع كبير على ضوء النمو البطيء في النشاط الاقتصادي.
تُظهر هذه التطوّرات أن ديناميات المديونية السلبية أحكمت قبضتها على الوضع المالي وعلى الاقتصاد، وأن الإصلاحات الجذرية، أي الجوهرية والمستدامة والفعّالة، هي الوحيدة الكفيلة بكسر هذه الحلقة المفرغة.

3. الوضع النقدي مناوئ للنمو

انطبع الاقتصاد اللبناني منذ عام 1993 بتطبيق سياسة نقدية تقوم على تحسين سعر صرف الليرة اللبنانية ثم تثبيته، وبأسعار فوائد مرتفعة نسبياً، ما انعكس سلباً إلى حد كبير على النشاط الاقتصادي والنمو.
نجاح سياسة تثبيت سعر الصرف له مستلزمات وتوقّعات. المستلزمات هي اعتماد سياسة مالية متحفّظة، أما التوقّعات فتتمثّل في ترقُّب حدوث تراجع في أسعار الفائدة الحقيقية إلى مستويات متدنّية نسبياً كي تصبح منسجمة مع معدل النمو الاقتصادي، وتحديداً نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، أي ألا تتعدّاه لوقت طويل. خلافاً للتوقّعات، توسَّع الإنفاق الحكومي في حين كان نمو الناتج متواضعاً، وظلّت أسعار الفائدة، اسميّة كانت أو فعليّة، مرتفعة. تسبّب هذا الوضع في تفاقم عبء الدين ودينامياته، وفي مزيد من الشلل في النشاط الاقتصادي والنمو.
على سبيل المثال، بلغ متوسط سعر الفائدة في الإقراض المصرفي للقطاع الخاص، في الأعوام الخمسة الأخيرة بين 2011 و2015، أكثر من 5%، في حين أن متوسط معدل النمو الحقيقي كان أقل من 2%. تجدر الإشارة هنا إلى أنه في العادة، يجب أن تكون أسعار الفائدة الحقيقية قريبة من مستويات معدل النمو، خصوصاً عندما تتناول فترة زمنية طويلة نسبياً.
فضلاً عن ذلك، كما يشير الجدول 3، دفعت الحكومة، خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1993 و2014، فوائد على الدين تفوق قيمتها 60 مليار دولار. النقطة المهمة هي أن هذا المبلغ يمثّل نحو ثلث مجموع الإنفاق الحكومي خلال تلك الفترة، وأقل بقليل من أربعة أضعاف مجموع الإنفاق الحكومي على النفقات الرأسمالية. كذلك فإنه يمثّل أكثر من 11% من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة مرتفعة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن تكلفة الفوائد على الدين الحكومي في معظم البلدان تبلغ نحو 2% من إجمالي الناتج المحلي.

4. ميزان المدفوعات: دخول الديون وخروج رأس المال

أضعفت سياسة الحكومة الاقتصادية ومديونيتها أداء ميزان المدفوعات وسبّبت هشاشة في بنيته. تبلغ نسبة الصادرات حالياً 10 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، في أفضل الأحوال، في حين أنها كانت تساوي في المعدل 18% خلال مرحلة ما قبل 1975.في موازاة ذلك، وبالمقارنة مع فترة ما قبل الحرب، نجد أن معظم الخدمات المرتبطة وغير المرتبطة بعوامل الإنتاج، باستثناء السفر والنقل، تسجّل الآن ميزان مدفوعات سلبياً، هذا مع العلم بأن الاقتصاد اللبناني هو اقتصاد "خدمات".
من جهة أخرى، حافظ مجمل ميزان المدفوعات على فائض في معظم الأحيان، وذلك بفضل حساب رأسمال رابح وقوي باستمرار. في الواقع، منذ الاستقلال حتى عام 2010، شهدت معظم الأعوام فائضاً في ميزان المدفوعات، ولم تُسجَّل قط عجوزات لأكثر من عامَين متتاليَين. لسوء الحظ، تغيّر هذا النموذج إلى حد كبير في الآونة الأخيرة، مع تسجيل ميزان المدفوعات عجزاً مستمراً في الأعوام الخمسة الأخيرة، منذ عام 2011. يعني ذلك أنه عند أخذ مختلف العوامل في الاعتبار، يتبيّن أن كمية الأموال التي خرجت من لبنان أكبر من تلك التي دخلت إليه في كل عامٍ من الأعوام التي انقضت بين 2011 و2015.
*فصول من ورقة أعدّها الباحث الاقتصادي توفيق كسبار ونُشِرت في كتاب "نهوض لبنان، نحو دولة الإنماء"، الذي وضعه رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي روجيه نسناس بالتعاون مع 23 باحثاً وعاملاً في الشأن العام.


للصورة المكبرة انقر هنا