المعركة السياسية الوحيدة في البلد اليوم هي إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية قائم على النسبية. حاملو هذه الراية كُثر. قسم منهم شريك أساسي في السلطة، كالتيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل. والقسم الآخر تُعبر عنه القوى التغييرية والأحزاب الوطنية. التناقض في لبنان أن تكون قوى السلطة هي نفسها التي تدعو إلى «ثورة» على النظام والطبقة السياسية التي تمنع إقرار قانون جديد.


قد تكون النيات صادقة والتهديدات جدية، ولكن حتى الساعة لم تُترجم الشعارات إلى تحركات تواكب التصعيد السياسي. لا يزال الشارع ورقة بيد هيئات «المجتمع المدني» التي دعت الأحد الماضي إلى تظاهرة «مع النسبية»، وبيد الحزب الشيوعي الذي دعا إلى تظاهرة الأحد المقبل للتأكيد أن مطلب قانون الانتخابات هو أول الغيث لإدخال الإصلاحات إلى النظام المهترئ.
المعركة التي يقودها الحزب الشيوعي اللبناني لإقرار قانون جديد للانتخابات يقوم على ثلاثية «لبنان دائرة واحدة، على أساس النظام النسبية، وخارج القيد الطائفي»، ليست آنية. ٢٢ تموز الماضي كان «اليوم الوطني للنسبية ويوماً للمطالبة بالإصلاح السياسي والانتخابي»، كما أعلن في حينه الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب. وإلى الشارع يعود رجال «السنديانة الحمراء» يوم الأحد في ٢٩ كانون الثاني، ومن تقاطع مار مخايل ــ النهر باتجاه ساحة رياض الصلح سيوحّدون الصرخات رفضاً لفرض قانون الستين كأمر واقع.


بين نسبية ضمن
القيد الطائفي
وأكثرية خارج القيد الطائفي، الأهم سياسياً إلغاء الطائفية


يشرح الأمين العام الآتي من خلفية نقابية أنّ «الصفقة الرئاسية وما تلاها من تشكيل للحكومة وصدور للبيان الوزاري، بيّنت وجود محاصصة شاملة وغياب مؤشرات بناء دولة مدنية ديموقراطية مقاومة». حتى قانون الانتخابات ذُكر «عمومياً ولم يتضمن أي إشارة إلى النسبية»، الأمر الذي «دفعنا لنقول إنهم لو أرادوا إصلاحاً حقيقياً لكانوا أصدروا ما يُشبه البيان الوزاري البديل، الذي بالمناسبة لا يُمثل سقفنا كحزب شيوعي، ولكنه يُشكل نوعاً من الانطلاقة الإصلاحية لقوى التغيير». ويُصرّ غريب على أنّ هذه المرحلة «لا تنتهي بعد ٥ أشهر. ما يجري هو تأسيس لسنوات العهد المقبلة. اليوم قبل أي يوم آخر يأتي الحزب الشيوعي ليقول إنّ المصلحة تكمن في العناوين التي يطرحها وإن مشكلتنا مع هذا النظام». لذلك، «آخذ موقفاً وطنياً بدعم النسبية خارج القيد الطائفي». ويهمّ الأمين العام التأكيد أنه «ما بين نسبية ضمن القيد الطائفي وأكثرية خارج القيد الطائفي، الأهم سياسياً إلغاء الطائفية». هدف الحزب الشيوعي بناء «دولة مقاومة عبر تحرير القرار السياسي ليُصبح مقاوماً في وجه العدو الإسرائيلي والخطر التكفيري، فلا يعود الأمر حكراً على بعض الأحزاب». النظام الطائفي ليس إلا «حليفاً للعدو ويُشكل نقطة ضعف لنا تسمح للقوى الخارجية بالتحكم فينا».
خطاب الحزب الشيوعي التغييري يأتي في زمن التسويات التي تركت تأثيراً إيجابياً في الشارع، ما يُصعّب مهمة كسر العقلية الطائفية الرجعية. يجيب غريب بأنّ الشيوعي «يُقارب الأمور من الباب الواسع ومن خلفية بناء حركة شعبية تُعدل موازين القوى على الأرض وتجمع كل المتضررين، بعد أن فشلت السياسة وأصبحت لدينا أزمة وطنية كبرى». قانون الانتخابات «هو المفتاح ومحطة ضمن مسار عملية التغيير». والتأثير في الرأي العام يكون عبر «إشراك الناس والتوجه إليهم بالقول إنهم المتضررون من هذا الواقع وعليهم تقع مهمة إمساك قضيتهم. لو كانت قوى السلطة تريد إصلاحاً حقيقياً لكانت نفذت الأمر منذ زمن». حتى أنها «بدل أن تجتمع من أجل حل مشكلة النفايات أو إقرار القانون الانتخابي، أقرت قانون الإيجارات التهجيري».
يعمل الحزب الشيوعي على مستويين: الأول «يُشكل الجهد الأكبر وهو التوجه إلى الشعب». معركة قانون الانتخابات سياسية ووطنية «إذاً يجب أن يُستفتى الشعب وتظاهرة ٢٩ كانون الثاني هي بداية المعركة التي سيكون لها مسار تصاعدي لنصل إلى عملية التغيير». التحركات اللاحقة حُددت، منها «التوجه إلى كل بلدة ودعوة الشخصيات الوطنية والأهالي لعرض ما تطرحه السلطة وعرض وجهة نظرنا والتفاعل مع السكان ومعرفة آرائهم». يُشدد غريب على «تأسيس حركة شعبية والتحرك أفقياً».
أما المستوى الثاني فهو «عقد لقاءات مع القوى الحزبية والمجتمع المدني لطرح وجهة نظرنا ورفع السقف في ما يتعلق بالمقاربة حول الاستحقاق الذي نعتبره فرصة للتغيير الديموقراطي. لا نريد أن ننغلق أو ننعزل». عادة ما يغيب الود بين هذه القوى والحزب الشيوعي. ومعظم التحركات المدنية السابقة انتهت إلى انقسام الأعضاء بعضهم على بعض وغياب الخطاب المشترك وعجزهم عن تقديم خطاب بديل، ما أدى إلى إحباط الرأي العام الذي وثق بهم. يدعو غريب إلى «رؤية الجانب الإيجابي. التحركات السابقة من إسقاط النظام الطائفي وهيئة التنسيق النقابي والحراك الشعبي في ملف النفايات ومعركة الانتخابات البلدية أمور تراكمية. نحن مطالبون بأن لا تكون معركة القانون مجرد تغيير شكلي، ودورنا هو توجيه الهيئات المدنية والمؤسسات الأهلية والأحزاب العلمانية». يُقدم الحزب الشيوعي حيث تتراجع هيئات المجتمع المدني: الخطاب السياسي، «هذا الإطار كان ينقص التحركات السابقة ونُقدمه نحن». القوى التغييرية والرافضة للأمر الواقع غير موحدة، فطرح «الشيوعي البيان الوزاري البديل ليكون قاعدة للنقاش ننطلق منه، وهو قابل للتعديل. ولكن أقله لنجلس ونتوحد. إذا كان هناك من درس تعلمناه مما سبق، فهو أنه يجب إيجاد قيادة موحدة وموثوقة وتُقدم البدائل».
ماذا عن التواصل مع الأحزاب والقوى التي تؤيد النسبية؟ يجيب غريب بأن «أي تكتل أو حزب يريد أن يُشارك تحت هذه العناوين، أهلاً وسهلاً به. وأي قوى توافق على النسبية خارج القيد الطائفي لا مشكلة لدينا معها». وهل سيُشارك «الشيوعي» في الانتخابات إن لم يتغير قانون الستين؟ يختم غريب بالتأكيد بنبرته الحادة المعتادة: «الآن نحن في المعركة».