لا بد من الإشارة بدايةً إلى أنه إذا كان الغرض من هذه الإجراءات هو توليد نتيجة مستدامة في المدى البعيد، فسوف تكون لها أيضاً مفاعيل ملموسة في المدى القريب، على الأقل من خلال الترقُّبات الإيجابية الكبيرة التي ستولّدها في ما يختص بمستقبل لبنان الاقتصادي والسياسي، ومن خلال تدفُّقات الرساميل والاستثمارات التي ستنجم عنها.


وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار مفاعيل هذه الإجراءات في المدى القريب لأنها مهمة أيضاً.

1- تعليمٌ رسميّ للجميع ذو نوعية جيدة

من شأن توفير التعليم الرسمي للجميع بكلفة متدنية ونوعية جيدة، على الأقل حتى نهاية الصفوف الثانوية، أن يطلق مسيرة تعزيز مهارات العمل والإنتاجية الاقتصادية في لبنان. ونؤكِّد هنا على أهمية تأمين النوعية الجيدة، وخصوصاً في اللغات والرياضيات والعلوم. من الرسائل المهمة التي يوجّهها هذا الإجراء أيضاً أن جميع الشباب اللبنانيين سوف تتسنّى لهم فرصة متساوية لتحصيل الحد الأدنى من التعليم الجيد بأقل كلفة. بناءً عليه، ليس إجراءً اقتصادياً وحسب، إنما أيضاً تدبير اجتماعي وسياسي يحمل رسالة مساواة في الفرص وتضامن بين المواطنين.
لقد أظهرت الدراسات أن معدل المردود السنوي للتعليم، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، هو عادة أكثر من 10%، وهذا مردود استثماري جيد جداً! فضلاً عن ذلك، للتعليم الجيد تأثير إيجابي على عوامل مهمة أخرى، مثل تربية الأولاد في شكل أفضل، والحصول على مواطنين أكثر اطلاعاً، وتحسين التصويت ومنظومة المساءلة السياسية.
يجب أن يركِّز الإصلاح التربوي قبل كل شيء على تدريب الأساتذة في المدارس الرسمية وتصحيح الخلل الفادح في توزيعهم على المدارس والمناطق. فأساتذة المدارس الرسمية التي تحتوي على نصف تلامذة لبنان تقريباً، لم يحصلوا في معظمهم على التدريب الكافي أو لا يتمتعون في معظم الأحيان بالمؤهّلات اللازمة لتعليم المواد الأساسية كاللغات والرياضيات والعلوم. أبنية المدارس متوافرة وهذا جيّد. كما أن الخبراء يجمعون على أن توفير التدريب المهني وترفيع مؤهلات المعلمين على امتداد عدد من السنوات ليس اقتراحاً مكلفاً. في الإجمال، وبغض النظر عن الأخطاء في تقدير كلفة الإصلاح التربوي، لا يبدو أن الاستثمارات المتوجبة كبيرة جداً، في حين أن مردودها الاقتصادي والاجتماعي سيكون مرتفعاً جداً. والنقطة هنا هي أن تكاليف الإصلاح المالية ضئيلة نسبياً، والمسألة الأساسية هي أن على السلطات اللبنانية أن تولي اهتماماً كبيراً لهذا الإصلاح الأساسي، وأن تباشر سريعاً في تنفيذه لتحقيق نهضة تربوية جوهرية ونهائية عالية المستوى في المدارس الرسمية. أما المدارس الخاصة التي هي دون المستوى المطلوب، فستتبع المدارس الرسمية في نهضتها، أي أنها ستضطر إلى رفع معاييرها.

2- إنشاء شبكة نقل واتصالات حديثة في مختلف أنحاء لبنان

أما الإجراء الأساسي الآخر فهو إنشاء شبكة طرقات واتصالات (هاتف وإنترنت) حديثة في المناطق الريفية تُسهِّل إلى حد كبير التنقل والاتصال بين المناطق النائية والمدن. يبدأ هذا المشروع مع سكة حديد حديثة وسريعة على طول الطريق الساحلية اللبنانية. وفي الوقت نفسه أو بعده بقليل، يجب وصل هذه السكة بطرق رئيسية (محاور) يتم شقّها أو تحسينها في الريف اللبناني.


إنشاء سكة حديد
حديثة وسريعة على طول الطريق الساحلية

ليس الهدف الأساسي لهذا الإجراء المهم زيادة الإنتاجية الاقتصادية عن طريق تحسين الطرقات والاتصالات فقط، ولكن الأهم هو توحيد السوق الوطنية (وبالتالي توسيعها)، وتنشيط الاستثمارات في القطاع السكني والأنشطة ذات الصلة. عندئذٍ سيبدي الناس و"الأعمال" استعداداً ليستقروا خارج بيروت وبعيداً عن قلب لبنان، الأمر الذي من شأنه أن يحفّز التفاعل الاجتماعي والسياسي بين اللبنانيين، وهذا بحد ذاته هدف وطني مهم للغاية. ومما لا شك فيه أنه سيكون لهذه الاستثمارات في البنية التحتية تأثير إيجابي كبير على النشاط الاقتصادي في السنوات المقبلة. سوف تفيد هذه الاستثمارات من مساحة لبنان الصغيرة، وتدفع بمعظم السكان والمناطق إلى الالتحاق بالنشاط الاقتصادي السائد، عبر تسهيل المواصلات والاتصالات بصورة عامّة. كما أنها تقدّم حوافز تشجِّع اللبنانيين والأعمال والشركات على الاستقرار خارج بيروت الكبرى، فتخفّف بالتالي من الكثافة السكانيّة العالية في بيروت الكبرى، وترفع أسعار الأراضي والعقارات في المناطق الريفية، وتشجع بشكل عام الاستثمارات في هذه المناطق. إنجاز هذا المشروع لا يغير فقط صورة لبنان الاقتصادية، بل يحقق أيضاً منفعة سياسية أكبر لأنه يؤدي إلى اندماج وطني أفضل بين المجتمعات الريفية المتباعدة.
إذا كانت الفوائد الكاملة لتحسين البنى التحتية البشرية أو التعليم تستغرق سنوات عدّة كي تتبلور، فإن التأثير الاقتصادي لإصلاح البنية التحتية المادّية يمكن أن يكون واسعاً وشبه آني. فالإجراءان (التعليم الرسمي وإنشاء شبكة نقل واتصالات)، مع فوائدهما في المدى الطويل، سوف يساهمان إلى حد كبير في رفع التوقّعات الإيجابية عن مستقبل لبنان الاقتصادي، وفي زيادة الاستثمارات الخاصة، وتحفيز تدفق الرساميل الأجنبية، والحد من كلفة تمويل هذه المشاريع.

3- إصلاح القطاع العام

لطالما كان إصلاح القطاع العام في لبنان قضيّة حساسة جداً بالنظر الى علاقته المباشرة بتوزيع السلطات السياسية والإدارية في البلاد. ولكن هذه الخطة الاقتصادية تتطلب إصلاحين أساسيّين (القضاء وحجم القطاع العام) وليس خطة إصلاحية شاملة للإدارة العامة بكاملها، والذي قد يكون هدفاً وهميّاً، أقله في المستقبل القريب.
واضح تماماً أن المشكلة الأساسية مع القضاء لا تكمن في طبيعة القوانين، ولكن في عدم تطبيقها. تنتظر دعاوى كثيرة سنين طويلة لبتّها في المحاكم، في حين أن الأحكام الصادرة في دعاوى أخرى كثيرة تُعتبَر منافية للوقائع القانونية. وهذا الوضع يثير الريبة الشديدة في عملية الاستثمار، وتترتب عنه تكاليف اقتصادية مصطنعة كبيرة، مع ارتدادات تحدّ من الاستثمارات الخاصة وتعوق النشاط الاقتصادي بصورة عامة. لذلك فإن إرساء آلية قضائية فعّالة، حيث يخضع القضاة لتدريب جيّد ويتقاضون رواتب معقولة ويجري بتّ القضايا في مهل محددة وقصيرة، أمرٌ ضروري للحصول على اقتصاد منتج وناجع.
لقد سجّل حجم القطاع العام زيادة كبيرة بالمقارنة مع فترة ما قبل 1975. تبلغ فاتورة الرواتب في الموازنة حالياً نحو 5 مليارات دولار، أو نحو 10% من إجمالي الناتج المحلي. وواضح جدّاً أن المردود الإنتاجي الذي يقابلها هو أقل بكثير مما يدل عليه مجموع النفقات. لذلك فإن احتواء النفقات الحالية، وخصوصاً كلفة الدين، والرواتب والأجور التي تساوي أكثر من ثلثَي الموازنة، أساسي من أجل الإصلاح المالي.

إجراءات للمعافاة في المدى القصير

نركز على إجراءين اثنين قصيرَي الأمد يمكنهما أن يدعما إلى حد كبير تعافي الاقتصاد اللبناني وخروجه من ركوده الحالي، وهما:
- إعادة تمويل دين القطاع العام بأسعار فائدة أدنى ولفترات أطول.
- إعادة جدولة ديون القطاع الخاص للمصارف المشكوك في تحصيلها.
الإجراءان متلازمان ويتعلَّقان بالمصارف التجارية، وخصوصاً بالأصول في موازنتها العمومية.

أ- إعادة تمويل القطاع العام بأسعار فائدة أدنى ولفترات أطول

يُعتبَر دين الحكومة مرتفعاً جداً مع بلوغه نسبة 140% من إجمالي الناتج المحلي (النسبة هي نحو 217% للقطاع العام بكامله). لكن المشكلة الأساسية في دين القطاع العام هي أنه بمعظمه دين من المصارف التجارية المحلية، وأنه يساوي أكثر من نصف مجموع ميزانية المصارف العمومية.
يتبيّن من الجدول رقم 6 أن نحو 60% من أصول المصارف هي ديون على القطاع العام بحلول أواخر عام 2015، في حين أن 23% فقط هي ديون على القطاع الخاص، بعدما كانت هذه النسبة تبلغ حوالى نصف الأصول قبل عام 1975. وفي ذلك دليلٌ على أن الاقتصاد اللبناني شهد تراجعاً للوساطة المالية للمصارف، حيث أصبح القطاع الخاص عميلاً صغيراً للمصارف، وأصبحت أوضاع المصارف وربحيّتها شديدة الارتباط بالوضع المالي للقطاع العام. يطرح هذا الوضع مخاطر جدّية على المصارف والاقتصاد ككل.
دين القطاع العام بالليرة اللبنانية الذي يتألف في شكل أساسي من سندات خزينة بالليرة اللبنانية LL-TBS أصدرتها وزارة المالية، وشهادات إيداع بالليرة اللبنانية LL-CDS صادرة عن المصرف المركزي، يجب إعادة تمويله من المصارف بأسعار فوائد أدنى مع فارق أو هامش ضمن نطاق 1%-2% مع معدلات ليبور على امتداد 12 شهراً، في مقابل متوسط فارق حقيقي يتعدّى 5%. بالطبع، يجب أن يترافق خفض أسعار الفوائد على ديون القطاع العام مع إصلاح هذا القطاع والانخفاض التدريجي لعجوزات الموازنة الحكومية على امتداد عدد من السنوات.
سيكون لإعادة التمويل تأثير كبير على الوضع المالي والمصارف والاقتصاد ككل. بهذه الطريقة لإعادة التمويل، لا تتكبّد المصارف أية خسائر، إنما فقط فروقات أدنى كان يجب اعتمادها منذ مطلع التسعينيات. إن انخفاض أسعار الفائدة على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية وشهادات الإيداع بالليرة اللبنانية الصادرة عن المصرف المركزي سيجعل إقراض القطاع الخاص أكثر جاذبية بالنسبة إلى المصارف وإلى القطاع الخاص على السواء. وفي خطوة مهمة، غالب الظن أن الإعلان عن الإجراءات الطويلة الأمد المذكورة آنفاً ونظرة السلطات الاستشرافية "التنموية" الجديدة، سيؤدّي إلى تدفق رساميل كبيرة، ما يساهم في دعم سعر الصرف ويجعل خفض أسعار الفائدة ركيزة نقدية جديدة قابلة للتطبيق.
من الواضح أن إعادة تمويل دين القطاع العام بفوائد أدنى وما ينجم عنها من خفض عبء الفوائد في الموازنة، أمرٌ ممكن، وعلى ارتباط مباشر بصدقية الإجراءات الطويلة الأجل والشروع باكراً في تطبيقها. وستعود المصارف بالتالي لتلعب بدرجة أكبر دورها التقليدي كوسيط عبر إعطاء مزيد من القروض للقطاع الخاص، وبذلك تشارك، بحسب ما يمليه عليه واجبها، في إنعاش النمو الاقتصادي.

ب- إعادة جدولة ديون القطاع الخاص للمصارف المشكوك في تحصيلها

مع الضعف المتواصل في النمو الاقتصادي منذ عام 2011، واستمرار الالتباس السياسي في لبنان والمنطقة، يُتوقَّع أن يصبح قدر أكبر من القروض المصرفية للقطاع الخاص متعثّراً أو مشكوكاً في تحصيله، والسواد الأعظم للمقترضين ضمن هذه الفئة يتألف من المؤسّسات الصغيرة والمتوسِّطة. تشكو هذه المؤسّسات، لا بل مؤسسات كثيرة في القطاع الخاص، من نقص الرساميل التشغيلية، فما بالكم بتأمين أموال لإنفاقها على استثمارات جديدة.
مما لا شك فيه انخفاض أسعار الفائدة بعد تنفيذ الإجراءات أعلاه، سيحرك القروض الجديدة والاستثمارات، وبصورة خاصة في ظل الأجواء الإيجابية التي يمكن أن تنتج من إعلان الإصلاحات والبدء بتنفيذها. من شأن إعادة جدولة الديون المشكوك في تحصيلها، بدعم من مصرف لبنان، أن تزيد الأجواء إيجابيةً، وتساعد على التعافي الاقتصادي الذي نحتاج إليه في المدى القصير قبل الحصول على النتائج المتوخاة في المدى البعيد.

* فصول من ورقة أعدّها الباحث الاقتصادي توفيق كسبار ونُشِرت في كتاب «نهوض لبنان، نحو دولة الإنماء»، الذي وضعه رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي روجيه نسناس بالتعاون مع 23 باحثاً وعاملاً في الشأن العام.






الحاجة إلى حكومة تُفكِّر إصلاحياً

تسلّط خطط العمل الاقتصادية الضوء عادةً على المستويات المرتفعة للدين الحكومي (لا دين القطاع العام) معتبرةً أنها المشكلة الاقتصادية الأساسية التي يواجهها لبنان اليوم. وتركز أيضاً على الخصخصة والإصلاح الإداري العام كمفتاح لإيجاد الحلول لهذا المأزق. لطالما تمنى الجميع أن تنجح هذه الإصلاحات في استعادة الأداء الاقتصادي القوي الذي يعتبرون أنه كان سائداً قبل عام 1975. لكن الأداء القوي قبل عام 1975 اقتصر فقط على الجانب المالي، من دون أن يشمل الجانب الاقتصادي أو الإنمائي. وكان أداء لبنان على كل الجبهات تقريباً ضعيفاً أو بأحسن الأحوال متواضعاً منذ نهاية الحرب في عام 1990. الدين العام المتزايد باستمرار ومعدل النمو الضعيف إن دلاّ على شيء فهما يدلان على مشكلات بنيوية أعمق يعانيها لبنان منذ الاستقلال، لكنها أصبحت أقوى وأكثر ظهوراً بعد الحرب، وزادتها سوءاً الخلافات السياسية وانتشار الفساد. هذه المشكلات هي الإنتاجية الضعيفة وقصور المؤسسات، إلى جانب الحرمان الشديد خارج مركز البلاد أو بيروت تحديداً.
عادةً، يدل سبب المشكلة إلى حلها. فمن أجل تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وتحسين معايير المعيشة، لا بد من زيادة إنتاجية العمل من خلال برنامج طويل الأمد لرفع مستويات التعليم في كل المدارس في لبنان، وبصورة خاصة في المدارس الرسمية أو الحكومية. الأسواق وحدها غير كفيلة بتحقيق هذه النتائج؛ فهي تحتاج إلى المساعدة من الحكومات. ولكن ربط المناطق القريبة جغرافياً، إنما المتباعدة اقتصادياً واجتماعياً في لبنان ذي المساحة الصغيرة، عن طريق شبكة طرقات واتصالات حديثة، لا يؤمّن جرعة دعم اقتصادية كبيرة وحسب، بل يشكّل أيضاً أساساً لولادة لبنان من جديد، لبنان موحّد وعصري. ونكرر أن هذه المهمة تقع على عاتق الحكومة والقطاع الخاص على السواء.
بيد أن الحكومات اللبنانية التي عجزت على امتداد خمسة وعشرين عاماً، عن تأمين الكهرباء بانتظام للمواطنين في سائر أنحاء لبنان، هذا مع العلم بأن كلفة التيار الكهربائي هي من الأعلى في العالم، غير قادرة على الأرجح على تطبيق برنامج الإصلاح البنيوي، فما بالكم بوضع نظرة استشرافية إنمائية حقيقية تُعتبَر ضرورية من أجل تنفيذ إصلاحات مستدامة. وعلى القطاع الخاص أن ينظر أيضاً إلى أبعد من المدى القصير عبر المساهمة بتمويل المشاريع الطويلة الأمد، حيث يمكنه أن يستفيد هو أيضاً في المدى الطويل، لأن هذه المشاريع سترتقي بالاقتصاد إلى مستوى أعلى من النمو الاقتصادي والتنمية.
هناك أزمنة يكون خلالها التغيير الجذري ممكناً. وخطة العمل هذه يجب أن تبادر بها حكومة تُفكِّر إصلاحياً بكل ما للكلمة من معنى. إذا أُنجزت الإجراءات المذكورة أعلاه، قد يحفّز التغيير الاقتصادي الناجم عنها إصلاحات سياسية ضرورية لإنشاء مجتمع حديث ومنتج، حيث باستطاعة معظم المواطنين، وليس فئة صغيرة منهم، المساهمة في إنمائه وتشارُك المنافع.