أوضحت موازنة بلدية مدينة طرابلس المقرّة لعام 2017 أن الواردات المتوقعة لعام 2017 تقدر بـ57.230 مليار ليرة، منها ما هو رسوم مباشرة وغير مباشرة تُحَصّل كعائدات من الدولة، مثل عائد الصندوق البلدي المستقل والخلوي، إضافة إلى عائدات متنوعة قُدِّرت بـ200 مليون مساعدات و400 مليون بيع أملاك بلدية (وهو البند الذي أصبح ثابتاً في كل موازنة)!


أما النفقات المقدرة لعام 2017 فقد بلغت 72.726 مليار ليرة توزعت على جزءين: الجزء الأول ضم الرواتب والأجور بإجمالي 21.994 ملياراً، وتعويضات الصرف التي بلغ تقديرها 1.5 مليار، وقد لحظت اعتمادات لتعيين 70 شرطياً جديداً بقيمة مليار ليرة، واعتمادات لتعيين 15 موظفاً جديداً بقيمة 182 مليون ليرة، إضافة إلى اعتمادات لمساهمة البلدية في اتحاد بلديات الفيحاء عن عام 2011 بقيمة 2.485 مليار، وتم تقدير نفقات الأحكام القضائية والمصالحات بـ3 مليارات، كذلك لحظت اعتمادات لبند الدراسات بـ3 مليارات، علاوة على احتياطي لتغذية مختلف بنود الموازنة قيمته 3.941 مليارات ليرة. أما الجزء الثاني فيحتوي على نفقات التجهيز والإنشاء الذي بلغت اعتماداته 29.373 مليار ليرة، منها نحو 5.6 مليارات للاستملاكات، ونحو 3.69 مليارات للتجهيزات، منها مليار للآليات، وما قيمته 9.37 مليارات للإنشاءات يخصص 2 مليار منها لإنشاء مدرج في الملعب البلدي الاحتياطي ومضمار في الملعب الرئيسي، إضافة إلى هنغار لآليات البلدية. هذا إضافة إلى 2.12 مليار لتأهيل واستحداث شبكات صرف صحي ومياه أمطار، و2 مليار لإنشاء ساحات عامة. كذلك لحظت الموازنة 10.263 مليارات للصيانة، منها 6 مليارات للزفت والأرصفة و600 مليون لتأهيل وصيانة الإنارة العامة وشراء عدة ولوازم كهربائية، وحوالى 2.103 مليار لصيانة أبنية وإزالة مخالفات البناء وتأهيل مدرج الملعب البلدي. وأخيراً 450 مليون ليرة لنفقات دروس واستشارات ومراقبة.
ولأن الواردات المتوقعة تبلغ 57.230 ملياراً فقط، فقد بلغ عجز الموازنة حوالى 15.344 ملياراً تم تغطيته من مال الاحتياط البالغ قيمته 70 مليار ليرة.

لكل تفصيل حكاية

القراءة العادية للأرقام قد لا تظهر خلفياتها، ولا تبين سبب الإحباط والغضب لدى شريحة واسعة من المواطنين، فالشيطان يكمن في التفاصيل، ولكل تفصيل حكاية أثارت حفيظة كل غيور وطرحت العديد من علامات الاستفهام التي لم تجد إجابات، أو لم تكن الإجابات مقنعة.

الملعب البلدي

أكثر ما أثار الأخذ والرد البنود المتعلقة بالملعب البلدي، إذ خصص ملياران لتأهيل مدرج ملعب الاحتياط ومضمار الملعب الرئيسي، و2.103 مليار لتأهيل مدرج الملعب الرئيسي (المؤهل العام الماضي)، و1.5 مليار لإنارة الملعب، بإجمالي 5.603 مليارات ليرة، أي ما نسبته 7 في المئة من الميزانية.


أكثر ما أثار الأخذ والرد
البنود المتعلقة
بالملعب البلدي


الجدير بالذكر أن الاعتماد المخصص لتأهيل وصيانة الإنارة العامة وشراء عدة ولوازم كهربائية للمدينة بلغ 600 مليون ليرة فقط، أي إن صيانة الاضاءة في الملعب وتأهيلها تساويان أكثر من ضعفي تأهيل الانارة في المدينة بأكملها! وقد أوضح أحد أعضاء المجلس البلدي أن سبب الكلفة الباهظة هو مطابقة المواصفات للمعايير الموضوعة من قبل منظمة "الفيفا"، ما استدعى تعليقات على وسائل التواصل بأن "إنشاء ملعب جديد قد يكون أقل تكلفة من تأهيل الملعب الحالي"، وأن "إنشاء مصنع لمبات بمليون دولار هو أعلى جدوى من إضاءة الملعب"!
يضاف هذا إلى 500 مليون ليرة كان قد استحصل عليها رئيس البلدية المهندس أحمد قمر الدين حين كان رئيس اللجنة الرياضية خلال العهد البلدي السابق، لإعداد دراسة بهدف إنشاء قاعة رياضية مغلقة تتسع لـ3000 مشجّع، وما زالت قيد الإعداد، ما يطرح تساؤلاً: هل رؤية رئيس البلدية، وهو رئيس الاتحاد اللبناني لكرة القدم، هي تحويل طرابلس إلى مدينة رياضية؟

الاستملاكات

ينافس بند الملعب الاستملاكات على نفس النسبة من الموازنة (7%) باعتماد قدره 5.6 مليارات ليرة. ولطالما اقترنت الاستملاكات بأوجه الفساد من حيث المغالاة في أسعار التخمين، والاستنسابية في بتّ التعويضات، لا سيما العقارات المملوكة لنافذين، بينما ينتظر بعض أصحاب العقارات المستملكة منذ سنوات طويلة من دون النظر في أمر عقاراتهم، هذا عدا عن الأولوية في صرف الأموال.

الزفت والأرصفة

للزفت قصة لا تشبه غيرها، إذ أقرّ في العهد البلدي الماضي 7 مليارات لتزفيت طرقات المدينة، ولم يعرف إلى الآن أين نُفِّذت؛ فالحفرة تلاقي أختها في معظم الشوارع الرئيسية والفرعية، وكانت "لجنة متابعة مشاريع طرابلس" قد تقدمت بإخبار إلى ديوان المحاسبة وطالبت بالتحقيق بشأنها. لكن قبل معرفة مصير المليارات السبعة، وقبل انتهاء مدة العقد، أُقرّ 1.8 مليار ليرة لتلزيم جديد غبّ الطلب، وتحت ضغط المجتمع المدني كلفت البلدية شركة استشارية للإشراف على تنفيذها. لكن أيضاً قبل البدء بتنفيذ التلزيم الأخير أقرّت 6 مليارات إضافية للزفت والأرصفة من ميزانية 2017، علماً بأن البلدية إلى هذه اللحظة لا تملك جداول بالحاجة الفعلية، لا للزفت ولا للأرصفة، رغم تلزيم آلاف الأمتار من الأرصفة خلال السنوات الماضية بنظام غبّ الطلب لم يتم تسلّمها! الجدير بالذكر أن مشاريع البنى التحتية الجاري تنفيذها في المدينة من خلال مجلس الإنماء والإعمار، تتضمن تزفيت الطرقات وتأهيل الأرصفة والوسطيات أيضاً.

الدراسات

450 مليون ليرة خصّصت لبند دروس واستشارات ومراقبة، بخلاف بند آخر تحت مسمى الدراسات خصّص له مبلغ 3 مليارات ليرة مقابل 70 مليوناً في الموازنة السابقة، لتنفيذ مخططات ودراسات مقدمة من اللجان، رغم الإعلان عن دراسات يقوم بها متطوعون منذ أشهر، منها خطة للسير وأخرى للتنمية الشاملة.

المصالحات

ثلاثة مليارات أيضاً اعتمدت للمصالحات. وفي عرف البلدية، المصالحة تعني المشتريات التي لم يصدر بها قرار مجلس بلدي، ولم تمر على اللجان، ولم يصدر بها إيصال تسلّم رسمي كذلك، وكانت قد اعتمدت هذه الطريقة للشراء منذ العهد الماضي التفافاً على اعتراضات الأعضاء. ولكن بدل أن يتخذ العهد الجديد موقفاً حاسماً منها، اعتمدها في معظم المشتريات، ولم يُحَل أيّ صنف إلى لجنة المشتريات لدراسته واتخاذ اللازم بشأنه، رغم التأكيد على ذلك بأكثر من قرار بلدي!
أتت الموازنة مخيّبة
للآمال وتحوي الكثير
من الألغاز

يُذكر أن مصالحات بمبلغ يقارب نصف مليون ليرة لمصلحة أحد محال الحلويات تقرّ في كل جلسة تقريباً، يقال إنها من تركات العهد الماضي. والغريب أنه لم يتم حصرها لتقرّ دفعة واحدة، ربما مخافة اعتراض المجلس، نظراً إلى ضخامتها، بحسب أحد الأعضاء.
وعلى ما يبدو، فإن رقم الثلاثة مليارات له جاذبية خاصة، فاعتمد أيضاً 3.037 مليارات لبند خدمات استهلاكية، كان إنفاقه العام الماضي 548 مليوناً فقط، أي ستة أضعاف تقريباً، إضافة إلى تخصيص 3.941 مليارات لنفقات مالية استثنائية.
تجدر الإشارة إلى تخصيص 840 مليوناً لنفقات تشغيل وسائل النقل، منها 460 مليوناً محروقات وزيوتاً، و380 مليوناً لقطع غيار وسائل النقل، ما دفع بعض الأعضاء إلى التساؤل بريبة حول جدوى صيانة الآليات بمبالغ تفوق ثمنها، وقد أُنفق عليها العام الماضي 108 ملايين، وما يعزز الريبة عدم وجود دفاتر جرد لمرأب البلدية، كما باقي الأقسام!

أعياد وتمثيل

أما ما يعدّ الأكثر استفزازاً فهو بند "أعياد وتمثيل" الذي اعتمد له 2.512 مليار ليرة، بزيادة تفوق عشرة أضعاف إنفاق العام الماضي، الذي بلغ 238 مليوناً، والذي لم تعرف وجهة إنفاقه على وجه التحديد، إذ إن زينة الأعياد المتواضعة واحتفالاتها كانت معظمها بواسطة بعض الجمعيات.

وفود ومؤتمرات

بند الوفود والمؤتمرات كان له من الطيب نصيب، إذ قفزت مخصصاته إلى 265 مليوناً بعد أن كان الاعتماد العام الماضي 90 مليوناً والإنفاق قرابة 38 مليوناً. الجدير بالذكر أن حضور معظم المؤتمرات في الخارج يتم على حساب البلدية، من طيران وإقامة، إضافة إلى تعويض قدره 450 ألفاً عن كل يوم سفر للأعضاء، ومليون إلى مليون ونصف للرئيس تبعاً للوجهة، إن كانت دولة عربية أو أجنبية.

مساهمات

كذلك بند مساهمات إلى هيئات لا تتوخى الربح قدِّر له القفز إلى 250 مليون ليرة بعد أن كان اعتماده العام الماضي 150 مليوناً، ولكن الإنفاق تجاوزه ليصل إلى 170 مليوناً، كيف لا وقد استهل المجلس ولايته بإعطاء 140 مليون ليرة لناديين رياضيين تابعين لسياسيين بواقع 70 مليوناً لكل منهما، وختم العام بتوزيع 43.5 مليون ليرة على ثلاث جمعيات بمقدار 14.5 مليوناً لكل جمعية، ما اضطره إلى إجراء تنسيب من بنود أخرى. هذا إضافة إلى تخصيص بند عطاءات إلى جهات خاصة (لم تعرف ماهيتها) بمقدار 100 مليون ليرة.

اللجان

خصّص للجان تعويضات بقيمة 132 مليون بعد أن أنفقت العام الماضي قرابة 75 مليوناً، وعند سؤالنا عدداً من رؤساء اللجان عن التعويضات، لم يعرفوا بوجود هذا البند! فأين صرفت وكيف أقرّت؟

تعويضات مختلفة ومكافآت

بعد تقدير كافة أنواع البدلات والتعويضات والتقديمات، وضع المجلس البلدي بنداً بقيمة 1.436 مليار باسم " تعويضات مختلفة"! كذلك فإن بند المكافآت قفز من مليون واحد من نفقات السنة السابقة إلى 40 مليوناً في الموازنة القادمة، من دون مبرر، خاصة إذا علمنا أن التعويضات عن الأعمال الإضافية بلغت 480 مليار ليرة، في حين أن هذه الأعمال بحدّ ذاتها، بما فيها الإضافية، غير خاضعة لضابط أو رابط، والنتيجة أن العمل الذي يحتاج إلى نصف يوم عمل يستغرق أسبوعين مع ساعاته الإضافية. وبحسب المصادر، فإن تعطيل التفتيش والرقابة على الموظفين والعمال مرجعه المرجعيات السياسية.

الشرطة

هذه المرجعيات السياسية نفسها قد تعطل ملء الشغور بتعيين 70 شرطياً و15 موظفاً قبل الانتخابات النيابية، رغم الحاجة الملحة، وتخصيص مليار و182 مليوناً، إذ إن أياً من السياسيين لن يسمح بإهداء هذا المكسب من الأصوات لفريق منافس، بحسب مصدر بلدي.

أمّية بلدية!

أتت الموازنة مخيّبة للآمال وتحوي الكثير من الألغاز التي وعد بعض أعضاء المجلس بشرحها بعد الانتهاء من الخطة، مدافعين بأن اعتمادات الموازنة لا تصرف بالضرورة، بل توضع على سبيل الاحتياط، بينما يرى المشككون أن الأسلوب المتّبع في إدارة البلدية سيؤدي إلى إفلاسها، لا سيما أن مواردها في تراجع مستمر، إذ إن جلّ عائداتها مصدرها تراخيص مناطق الضمّ والفرز التي تقلصت فيها المساحات المتاحة للبناء.
إلا أنه لا أحد (إلى الآن) يرفع أصابع الاتهام بالفساد في وجه المجلس ورئيسه، جلّ ما في الأمر اتهامات بالهدر والتبذير وسوء التقدير، وعتب على الرئيس لخبرته الطويلة في العمل البلدي لثلاث دورات متتالية (18 عاماً) وأحياناً التماس العذر للأعضاء بحجة "الأميّة في العمل البلدي".