بعد اختبار اول رافق تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري، عندما اصر على انبثاقها من توازن سياسي وتمثيلي ميثاقي حقيقي، دخل رئيس الجمهورية ميشال عون في اختبار ثان الاربعاء، هو ممارسته صلاحياته الدستورية بالقوة التي تتصف بها، برفض الخوض في تدابير اجراء الانتخابات النيابية وفق القانون النافذ (2008). ذهب الى جرعة اثقل مما كان منتظراً، من رئيس يصعب توقع ردود فعله، بالقول انه يفضل الفراغ في السلطة الاشتراعية على نشوء مجلس نيابي جديد تبعاً لذلك القانون.


لا يحتاج الرئيس بالتأكيد الى مَن يجرّبه. عندما طعن في شرعية مجلس النواب عام 1989، لم يتردد في دفعه الى الفراغ باصداره الرابعة فجر 5 تشرين الثاني، ساعات قليلة قبل انتخابه الرئيس رينه معوض، مرسوم حله، وكان رئيساً لحكومة عسكرية انتقالية ذات صفة دستورية. حينذاك عدّ ذلك البرلمان فاقد الصفة التمثيلية فحلّه. في الغداة صرح العميد ريمون اده من باريس انه يعتبر المرسوم دستورياً وصار يصف نفسه نائباً سابقاً. بعد تمديدي 2013 و2014 ــــ وهو احد اعضائه ورئيس كتلة نيابية كبيرة ــــ طعن ايضاً في شرعية المجلس، وتساجل حيال هذا الموقف مع الرئيس نبيه بري طويلاً، الى ان انتخبه هذا البرلمان رئيساً للجمهورية.


فريق الاربعة
يجتمع مجدداً
اليوم

ما قاله الرئيس في مجلس الوزراء عكس صورة مكمّلة: رفض تمديد ولاية مجلس لم تتغير صورته لديه منذ عام 2013 وإن انتخبه رئيساً للجمهورية كي ينقذ الاستحقاق في ذاته. الا انه يرفض ايضاً اجراء انتخابات نيابية تبعاً للقانون الذي يعيد انتخاب المجلس نفسه في ظل خلل تمثيلي ميثاقي لا يزال مستمراً منذ عام 1992. هذه المرة لا يهدد عون بحلّ المجلس، بل يتركه يذهب من تلقائه الى الفراغ. يستخدم الصلاحيات التي يمنحه اياها الدستور كي يمنع تكرار رياضة التمديد اولاً، وكي ينهي «الارث السوري» في تقاسم المقاعد المسيحية ثانياً وقد تخلص من جزء منه لدى تأليف الحكومة، وكي يذهب الى قانون انتخاب جديد يعيد الاعتبار الى الميثاقية التي تحدث عنها اتفاق الطائف ثالثاً. هو الاتفاق الذي يصر على تطبيقه بعدما حل مجلس نواب 1989 بسببه.
لاقى رئيس مجلس النواب رئيس الجمهورية في ما قاله الاربعاء. لم يتصل به كي يتحدثا في الموقف «الصدمة»، ولم يرَ بري حتى حاجة الى تفسير مستفيض لما قاله الرئيس: «أؤيد ما قاله واعتبره صدمة ايجابية، وليس كما يحاول البعض الايحاء بأنه يلوح بالفراغ. لسنا ذاهبين الى فراغ، ولن يكون ثمة فراغ لأن احداً لا يريده. تأكدوا. هذا ما لن نصل اليه ابداً».
يضيف: «ما قاله الرئيس عون يقع في باب التشجيع والحض على الذهاب الى قانون جديد للانتخاب. الوقت لم يفت بعد لوضعه. كما سبق وقلت عندما نتفق على قانون جديد لا تعود المهل المقيدة ذات اهمية، لأننا نستطيع ان نورد في المادة الاخيرة من القانون تعليق المهل بتمديد تقني للولاية ريثما تتخذ الاجراءات اللازمة لتطبيق القانون، والذهاب الى الانتخابات على اساسه. القانون الجديد شرط التمديد التقني. لذلك ليس للوقت اهمية اذا عكفنا على وضعه. قلت ذلك من قبل وقاله رئيس الجمهورية البارحة. على كل حال ارفق الرئيس عون كلامه في مجلس الوزراء بدعوة الوزراء الذين اجتمعوا على الاثر الى ان يسارعوا الى الاتفاق على قانون جديد. لن يكون ثمة تمديد للمجلس، وانا والرئيس متفقان على ذلك، والافرقاء جميعاً يريدون اجراء الانتخابات».
يقول بري ان فريق العمل الرباعي الذي عقد اجتماعاً اول في قصر بعبدا امس، وضم ممثلي امل وحزب الله وتيار المستقبل والتيار الوطني الحر، مصطحباً كلا منهم خبيراً في الشأن الانتخابي، سيجتمع مجدداً اليوم. على ان رئيس المجلس لم يجد في غياب ممثلين للحزب التقدمي الاشتركي والقوات اللبنانية وسواهما اقصاء، وكشف ان اتصالات اجراها بالنائب وليد جنبلاط لإخطاره بفحوى المناقشات، ناهيك بتأكيده ان موقف حركة امل في اجتماعات الفريق الرباعي هو نفسه الموقف المتفق عليه مع جنبلاط.
يضيف ان الملف اضحى الآن بين ايدي حكومة الحريري: «منذ فترة وانا اكرر ان ليس لدى مجلس النواب ما يفعله حيال قانون الانتخاب بعدما اشبع الاقتراحات التي عنده نقاشاً وخلافات. الموضوع الآن لدى الحكومة التي تعهدت في بيانها الوزاري وضع قانون جديد للانتخاب. من البارحة اصبحت مناقشة القانون عندها، والافرقاء الاربعة الذين اجتمعوا في قصر بعبدا يمثلون الحكومة اكثر منهم يمثلون المجلس. لذلك عليهم الاتفاق على هذا القانون، وانا سأكون في انتظاره في المجلس. ما ان يصل اليّ نباشر درسه واقراره بسرعة».
يضيف: «قلت دائماً ان لا قانون انتخاب بلا توافق. اذا تفاهم الافرقاء الاربعة وطبعا الآخرون الذين لم يشاركوا في اجتماع قصر بعبدا وتوصلنا، بتوافق سياسي، الى مسودة قانون انتخاب، لن يكون الوقت عاملاً ضاغطاً علينا في مجلس النواب، نقرّه ونذهب الى الانتخابات فوراً. اذا اقتضى الامر تمديداً تقنياً لوقت قصير يلحظه كما قلت قبلاً القانون الجديد للانتخاب بالذات. نحن ذاهبون حتماً الى الانتخابات».