تصر القوات اللبنانية على تأكيد أهمية التوصل الى قانون انتخاب انطلاقاً من التصور الذي وضعته مع تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي. وهي، وفق ذلك، تبدو مرتاحة الى أن الاتجاه النهائي لقانون الانتخاب سيكون مختلطاً، برؤية تزاوج بين مشروعها ومشروع الرئيس نبيه بري.


لكن مقاربة القوات لقانون الانتخاب تتعدى المفعول التقني للقانون وتركيبته التي تلاقي حالياً اعتراضات، في انتظار إزالة العوائق أمامها. فمن يتعامل من سياسيين مع القوات، يشير الى أن ثمة رغبة وراء تبيان هذا الجانب، بإضفاء شرعية «شريك النصف» على القوات في اختيار القانون العتيد، تماماً كما حصل مع انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. تريد القوات أن تقول إنها أمّ الصبي أيضاً في اختيار «القانون الذي يرضي المسيحيين»، كما يسعى التيار الى ترداد ذلك يومياً، محاولاً قطف ثمار هذا الاستحقاق قبل حصوله، لأن كليهما يريدان تثبيت أحقيتهما في «إعادة الاعتبار لحقوق المسيحيين». بصرف النظر عما إذا كان المشروع الهجين المقترح يحقق فعلياً مطالب القوى المسيحية ويرد الاعتبار لمقاعدها، بعيداً عن الشعارات المرفوعة منذ عام 1990 حتى اليوم.


المشهد السياسي ينعدم فيه وجود المعارضة والموالاة



لكن أبعد من إصرار التيار الوطني والقوات على تأكيد التنسيق بينهما في كل شاردة وواردة حول القانون، رغم أن القوات غابت عن اللقاء الرباعي في بعبدا ولقاء وزارة المال الأخير، ثمة حلقة مفقودة على صعيد المشاورات الجارية. فبحسب الدستور، يجب على الحكومة أن ترسل مشروع قانون الانتخاب لمناقشته الى المجلس النيابي، كما فعلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2012 عندما أقرت المشروع القائم على النسبية في 13 دائرة انتخابية. حتى إن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة أنشأت عام 2005 «الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخاب» برئاسة الوزير فؤاد بطرس، وضمت مجموعة كبيرة من الاختصاصيين، وأعدّت مشروع قانون قائماً على المختلط بين الأكثري والنسبي.
إلا أن حكومة الرئيس سعد الحريري الحالية لم تجد نفسها معنية بمناقشة قانون الانتخاب كحكومة جامعة، وليس كأطراف سياسيين يختزلونها. فرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة شددا على أن الحكومة هي حكومة انتخابات، لكنها لم تعمد بعد الى الاقتراب من هذا الملف، بالمعنى الفعلي والعملي، ولم تعدّ مشروعاً للانتخابات لأن البحث الفعلي السياسي يدور في مكان آخر.
كذلك ظهر أن اللجان النيابية التي يوجد أمامها فائض من مشاريع القوانين المطروحة للنقاش أيضاً، وتلك المختصة التي عملت منذ سنوات في اجتماعات ماراتونية، ليست المكلفة حقاً ببتّ قانون الانتخاب. لأن الجميع بات أمام حقيقة واقعية هي أن هذا القرار ليس في يد الحكومة أو المجلس إلا للمصادقة عليه. فإذا كانت سمة حكومة العهد الأولى أنها سياسية تتمثل فيها جميع القوى، ما عدا حزب الكتائب، إلا أن القرار يتخذ عملياً خارجها، كما حصل في ملف النفط وسيحصل في ملف التعيينات وقانون الانتخاب. فلقاء بعبدا وبعده لقاء وزارة المال أو بيت الوسط، أبعد من تحالف رباعي بالمعنى السياسي الذي كان معروفاً عام 2005. لأن هذه اللقاءات تشبه ما تفعله عادة «خلية الأزمة» عند الحالات المستعصية والضرورية التي تلتقي وتقرر وتنفذ، ما عدا أن عمل هذه الخلية بات روتينياً لأنها تضع كل القضايا المطروحة للنقاش أمامها على الطاولة من دون الأخذ في الحسبان القوى السياسية الأخرى، ولا حتى الأشكال الدستورية والقانونية. فحتى النقاش التقني في موضوع قانون الانتخاب بات محصوراً بخبراء الانتخاب التابعين لـ»مجلس الشيوخ» المكلف حالياً إدارة الحكم، يعملون بعيداً عن آليات الحكومة وموجباتها.
منذ لقاءات الرئيس سعد الحريري والتيار الوطني الحر واطلاع حزب الله عليها ومن ثم القوات اللبنانية، بدأت ترتسم معالم الحكم في تركيبته الجديدة. وبعد انضمام الرئيس نبيه بري اكتمل المشهد، رغم أن التيار لا يزال يتحدث عن تقاطع وتفاهم سياسي مع المستقبل والقوات والحزب فقط. الآن ما يحصل في قانون الانتخاب يبين أن النقاش حول استحقاق من شأنه أن يعيد رسم صورة النظام اللبناني في وقت تشتعل فيه المنطقة بألف حريق وحريق، ليس مفتوحاً للعامة. لأن ثمة امتعاضاً ملحوظاً ورفضاً لكل من يناقش قانون الانتخاب الذي يعمل عليه حالياً، ولا سيما مسيحياً، واحتمالات الربح والخسارة المسيحية فيه، وضرورة التسليم مسبقاً بنتائجه الإيجابية، لا لأربع سنوات مقبلة فحسب، بل للسنوات الطويلة الآتية.
وإذا كان التعامل مع استحقاق مهم ومنتظر منذ عام 2008 يتم وفق هذا الشكل، فهذا يعني أن دفة الحكم باتت كلها في يد طرف واحد أو مجموعة واحدة. وهذا من شأنه أن يطرح سؤالاً عن المشهد السياسي الذي ينعدم فيه وجود المعارضة والموالاة والنقاش الفعلي في كل الملفات. فحتى في زمن الوجود السوري وأحادية حكم الرئيس رفيق الحريري في عهدَي الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود، ظلت أصوات المعارضين، نواباً وشخصيات سياسية، تعلو في المجلس النيابي وفي الإعلام وكل الدوائر السياسية، وتناقش كل الملفات السياسية ولا سيما قانون الانتخاب. فهل يبدو السؤال عبثياً: لماذا لا نسمع اليوم إلا نغمة الموالاة فحسب؟