أصدر قاضي الأمور المُستعجلة في بعبدا، القاضي حسن حمدان، أمس، قراراً يقضي بالوقف الكلي لأعمال نقل النفايات إلى مطمر الكوستا برافا. وذلك بعد انقضاء أربعة أشهر من تاريخ تبليغ القرار الى كل من الشركة الملتزمة أعمال إنشاء المطمر، شركة "الجهاد للتجارة والمقاولات"، واتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، ومجلس الإنماء والإعمار الذي تم إدخاله في القضية، ما يعني أن القاضي حمدان أمهل الجهات المعنية مدة أربعة أشهر لإيجاد البديل، على أن يبقى العمل في المطمر خلال هذه الفترة "تحت رقابة من ينتدبه كل من وزيرَي البيئة والأشغال العامة والنقل وما يستنسبانه من تدابير تقتضيها سلامة البيئة المُحيطة وأمن الملاحة الجويّة".


يُعدّ قرار القاضي حمدان، بحسب عدد من المحامين، مُلزماً ونافذاً "إلى أن يتم استئنافه"، مُشيرين الى أن لقضاء العجلة صلاحية النظر في حالات التعدي، فضلاً عن صلاحيته في الحفاظ على قضايا الحريات العامة والسلامة العامة. لا تكون القرارات القضائية المتعلّقة بصدّ التعديات التي تطاول السلامة العامة مؤقتة، وفق ما يقول المحامي والنائب غسان مخيبر. ينطلق الأخير من هذه النقطة ليؤكد أن قاضي العجلة لا تنحصر صلاحيته بالتدابير المؤقتة، بل يستطيع أن يستند الى ظاهر الحال ويُصدر على أساسه حكماً.


يُعدّ القرار
ملزماً ونافذاً
إلى أن يتم استئنافه
وفي حال عدم استئناف حكم القاضي حمدان، فإن قراره يصبح مُلزماً للجهات المعنية.
حالياً، لا يبحث اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية في استئناف القرار، وفق ما يقول رئيس الاتحاد محمد ضرغام لـ"الأخبار". يلفت ضرغام الى أن خيار مطمر الكوستا برافا لم يكن بالنسبة إلى الاتحاد "الحلّ الأمثل" ولا يطمح الاتحاد إلى أن يكون على مدخل نطاقه البلدي مطمر، "لكنه الحل الحكومي الذي فُرض علينا". ويُضيف: "نحن نطالب الحكومة بحلّ دائم". لماذا لم يضع الاتحاد رؤية متكاملة لمعالجة نفاياته؟ يجيب ضرغام أن الاتحاد "لا يملك القدرة المادية على معالجة نحو 800 طن"، لافتاً الى أن "حصته المُقتطعة من الصندوق البلدي المُستقل لا تكفي"، إذ يتم إعطاؤنا الحصة نسبة الى عدد الناخبين الذين لا يتجاوز عددهم 300 ألف نسمة، في حين أنه يقطن في النطاق التابع للاتحاد نحو 900 ألف مُقيم، ما يعني أن النفايات الناتجة من عدد المُقيمين أضخم بكثير من أن تتحملها البدلات المحتسبة على أساس عدد المسجلين". يُركّز ضرغام على هذه النقطة، ليلفت الى ضرورة اتخاذ بعض القرارات على مستوى هيكلية القوانين والمراسيم التي تُمكّن البلديات من وضع خططها، وإلى أن هذا الملف "في عهدة الحكومة منذ التسعينيات، فلماذا يتم رميه على الاتحاد من دون أن يُمكّن الأخير من الاستقلال بخططه".
ويختم ضرغام بالقول إن الاتحاد "تحت سقف القانون"، وهو بصدد عقد اجتماعات وتشكيل لجنة لمتابعة الملف.
بدوره، يقول صاحب شركة "الجهاد للتجارة والمقاولات"، جهاد العرب، لـ"الأخبار"، إن الشركة لا تستطيع استئناف القرار، "على مجلس الإنماء والإعمار أن يستأنف"، لافتاً الى أنه تم الادعاء بصفة شخصية على الشركة "في غير وجه حق". حالياً، يتواصل العرب مع مجلس الإنماء والإعمار للبحث في الخطوات المُقبلة، "وسننتظر خلال هذه الفترة ما ستُقرره الحكومة ومجلس الإنماء والإعمار". ويختم العرب بالقول إن هناك أكلافاً تم دفعها لتجهيز المطمر لمدة أربع سنوات وليس لمدة أربعة أشهر، ما يوحي بتوجه الشركة الى دراسة إعدادها طلب تعويض في حال تنفيذ القرار.
التهويل بعودة النفايات الى الشوارع؟
بوشرت أعمال الطمر في الموقع في آب الماضي، بعدما فازت شركة "الجهاد للتجارة والمقاولات" بالمناقصة التي جرى الإعداد لها مرتين، المناقصة الأولى في أيار الماضي قبل أن تُلغى بعد انكشاف الأسعار المرتفعة للأشغال المماثلة في مناقصة مطمر برج حمود التي فازت بها شركة "خوري للمقاولات"، وأعيدت المناقصة في تموز الماضي، لتفوز بها الشركة نفسها ولكن بسعر أقل بنحو 12 مليون دولار عن السعر في المناقصة الأولى.
يستقبل المطمر نحو 1500 طن يومياً، وفق ما يرد في التقرير الميداني المُعدّ أخيراً من قبل وزارة البيئة. 1200 طن تنتجها مناطق الضاحية الجنوبية والشويفات وعرمون وبشامون والحدث، و300 طن تأتي من قسم من بيروت الإدارية، علماً بأن الطاقة الاستيعابية للمطمر تقدر بنحو مليون طن، على أن تكون مدة التشغيل أربع سنوات، وهو ما يُعزز تشكيك الكثيرين بقدرة المطمر على استيعاب هذه الكميات خلال الفترة وعدم بلوغه الطاقة الاستيعابية قبل هذه المدة. وفيما بدأ التركيز حول البديل الممكن طرحه، بدأ الكثيرون يتخوفون من عودة النفايات الى الضواحي. وكان مجلس الإنماء والإعمار قد اعتبر في معرض جوابه لدى القاضي حمدان أن قرار منع نقل النفايات "يُسبّب كارثة بيئية ضمن ضواحي بيروت".
من جهته، يرفض المحامي حسن بزي، أحد المحامين المتقدّمين بالدعوى، تحميل المحامين والناشطين وزر عودة النفايات الى الشوارع في حال عدم التوصل الى حل دائم خلال الأشهر الأربعة المُقبلة، لافتاً الى أن القرار جاء "جريئاً وإيجابياً ويُعيد الثقة الى القضاء اللبناني". وأضاف بزي إن الجهة المدعية يرضيها القرار ولن تعمد الى استئنافه.

حكمت المحكمة: المطمر غير مطابق للمواصفات ويشكل خطراً على السلامة والبيئة






بتاريخ 22/9/2016، تقدّم عدد من المحامين الناشطين لدى القاضي حمدان، باستحضار بوجه اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية وشركة الجهاد للتجارة والمقاولات والدولة اللبنانية (المطلوب إدخالها بالدعوى). وعرضوا على القاضي مسألة طمر النفايات غير المفروزة والمباشرة بالطمر قبل إنشاء كاسر الأمواج، مُثيرين مسألة تأثير تواجد المطمر الملاصق لجدار مطار رفيق الحريري الدولي على سلامة الطيران المدني. وطلبوا قبول طلب إدخال الدولة اللبنانية والحكم بإقفال مطمر الكوستابرافا نهائياً.

ردّ شركة «الجهاد»: الأعمال تتم بأعلى المعايير الدولية

بتاريخ 5/10/2016، قدّمت شركة الجهاد للتجارة والمقاولات لائحة جوابية أدلت فيها بعدم اختصاص القضاء العدلي للنظر في الدعوى لدخول الموضوع في اختصاص القضاء الإداري. وأفادت الشركة أنها تُنفّذ ما التزمت به بعقد إداري مع مجلس الإنماء والإعمار. واعتبرت أن ما يُثيره المُدّعون غير صحيح، "لأن الأعمال جارية بعد قرار سياسي وإداري لمعالجة أزمة النفايات التي تتم بأعلى المعايير الدولية"، ولفتت إلى أن الحق الأجدر بالحماية هو "رفع النفايات من الشوارع والتقليل من الأمراض والحشرات"، طالبة ردّ الدعوى للأسباب المذكورة وتضمين المدعين النفقات والعطل والضرر.

اتحاد البلديات: لا علاقة لنا بالنزاع

جواب الشركة جاء متوافقاً وجواب اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية التي اعتبرت أن وقف تنفيذ قرار إداري "يخرج عن اختصاص المحكمة وظيفياً"، كذلك اعتبر أن "موقع الكوستابرافا يقع أبعد من نطاق عمل المحكمة المكاني (يقع المطمر في منطقة القبة العقارية التابعة لبلدية الشويفات من قضاء عاليه)، مُضيفاً أن لا علاقة له بالنزاع "إذ لم يسبق أن تعاقد مع شركة الجهاد أو شركة سوكلين"، مُشيراً إلى أن الدولة "تصدّت لمعالجة النفايات دون العودة إلى البلديات أو الأخذ برأيها منذ أكثر من عشرين عاماً، فيما فرضت عليها دفع كلفة رفعها وجمعها وطمرها". وطلب الاتحاد إخراجه من المحاكمة وردّ الدعوى.

مجلس الإنماء والإعمار: منع النفايات يتسبب بكارثة في ضواحي بيروت

بتاريخ 14/1/2017، قدّم مجلس الإنماء والإعمار طلب تدخله شكلاً، اعتبر فيه أنه المرجع المختص لمناقشة جوانب الملف كونه المكلف أصولاً من مجلس الوزراء. ولفت المجلس إلى أنه سبق أن لجأ إلى خبير فرنسي وضع تقريراً حدّد بموجبه العوامل الأساسية الجاذبة للطيور في محيط المطار بمجرى نهر الغدير، معتبرا أن المركز المؤقت لا يشكل حالياً مصدر جذب للطيور نظراً إلى الإجراءات المتخذة. وأشار المجلس إلى أن قرار منع نقل النفايات "يُسبّب كارثة بيئية ضمن ضواحي بيروت". وطالب المجلس بفتح المركز لمدة أسبوعين بغية إيداع المحكمة جميع الإيضاحات والتفاصيل التي تُثبت انعدام الصلة المُسببة بين الضرر أو المخاطر المشكو منها والتي تهدد سلامة الطيران.

القاضي حمدان: إزالة التعدي على الحقوق من اختصاص المحكمة

اعتبر القاضي أن طلب المدعين يأتي في سياق دفع الخطر المفترض أو إزالة التعدي المنسوب إلى خصومهم إحداثه من خلال المطمر. ورداً على مسألة عدم اختصاص المحكمة، قال القاضي إنه يهم المحكمة التنويه بأنها غير معنية بتناول مشروعية القرار الإداري الصادر عن مجلس الوزراء، لافتاً إلى أن جلّ عمل المحكمة سيكون مقتصراً على بحث عناصر اختصاصها النوعي تجاه واقع المطمر والتصرفات المادية في داخله ومدى إحداثه أضراراً غير مبررة إزاء محيطه. واعتبر القاضي أن موضوع الدعوى يدخل في الاختصاص الوظيفي للمحكمة، مشيرا إلى أن المحكمة ترى مقاربة طلبات المدعين بالارتكاز إلى أحكام المادة 579 من أ.م.م التي تعطي القاضي الناظر في القضايا المستعجلة سلطة اتخاذ التدابير الآلية لإزالة التعدي الواضح على الحقوق.

الأسباب الموجبة لإقفال المطمر

خلُصت المحكمة في قرارها إلى النتائج التالية:
- إن المطمر المطلوب إقفاله، إضافة إلى موقعه الجغرافي الحالي الذي قررته الإدارة، يُمثّل بحالته الراهنة خطراً على حركة الطيران قد يزداد مع الوقت بسبب جذبه الطبيعي للطيور، وإنّ وجود عوامل أخرى ظاهرة للعيان وخارجة عن نطاق الدعوى في محيط المطار وجاذبة للطيور، لا تُقلّل من دور المطمر في هذا الصدد.
- إنّ آلية العمل داخل المطمر بفعل دفن النفايات بشكل غير مُطابق للمواصفات الفنية، سيُنتج على المدى القصير، المتوسط والبعيد، أضراراً على المحيط السكني والثروة السمكية في أماكن بعيدة عنه حالياً جرّاء العصارة المتسللة إلى جوف البحر.
- إنّ تحلّل النفايات العضوية في ظلّ الطمر غير السليم يوجِد مع الوقت أنواعاً متعددة من الغازات التي تتراوح بين ثاني أوكسيد الكاربون المُسبِّب للاحتباس الحراري وأنواع أخرى من الغازات، وتبعيا غاز الميثان الذي يمكنه التغلغل وله قدرة عالية على تسخين الجوّ بمجرّد تسرّبه إلى الخارج والذي من شأنه أن يُمثّل أيضاً خطراً حقيقياً على مُحيط المطمر البحري، البري، والجوي.
إن الإجراءات الحمائية التي يلقي المدعى عليهما والمقرر إدخاله الضوء عليها، معتبرين أنها كافية لردّ الدعوى، على أهميتها وحيويتها، تبقى صالحة فحسب للتعامل مع ثغرات العمل الفني في المطمر وغيرها من عوامل جاذبة للطيور في حين أنها لا تؤدي أي وظيفة إطلاقاً لناحية إزالة الأسباب خاصة وأن الطيور قد تعتاد عليها.
وأضاف القرار: "وحيث اتساقاً مع التعليل السالف ذكره، فإنّ عيوب التنفيذ الواضحة قانونياً وفنياً، تتيح للمحكمة بيُسر واقتناع اعتبار بقاء طمر النفايات بالشكل الحاصل حاضراً في المطمر المطلوب إقفاله، نشاطاً ينطوي على تعدٍّ واضح على حقوق المُدّعين (..) ما يستتبع اتخاذ القرار المناسب بوقف هذا النشاط، وتالياً إلزام المُدعى عليهما والمُقرّر إدخالهما بالوقف الكلي لنقل النفايات إلى المطمر موضوع الدعوى".
وحيث إن المحكمة بعد هذه النتيجة، ونظراً إلى مختلف الظروف التي أحاطت وتحيط بالملف، يعنيها إبداء التالي:
* إن تثبتها في المبدأ من التئام عناصر تعدٍّ واضح على الحقوق أو الأوضاع المشروعة، يستتبع حتماً الحكم بإزالته.
* إن المحكمة، مع تسليمها بانحصار دور السلطة القضائية في بت النزاعات وإصدار القرارات في منازعات محددة، فإنها تراعي أيضا مبادئ المسؤولية الاجتماعية مع سائر الكيانات الأخرى التي لا تقتصر على سلطة دون غيرها.

خلاصة الحكم

أولاً: ردّ طلب إدخال الدولة اللبنانية شكلاً.
ثانياً: قبول طلب تدخل مجلس الإنماء والإعمار شكلاً في المحاكمة.
ثالثاً: اعتبار المدعين والشركة المدعى عليها ذوي صفة في الدعوى.
رابعاً: حفظ الاختصاصين الوظيفي والمكاني للمحكمة للنظر في الدعوى.
خامسا: إلزام المدعى عليهما اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية وشركة الجهاد للتجارة والمقاولات والمقرر إدخاله مجلس الإنماء والإعمار، كل بما يعنيه بالوقف الكلي لنقل النفايات إلى المركز المؤقت للطمر الصحي في منطقة الغدير وذلك بعد انقضاء أربعة أشهر من تاريخ تبلغهم هذا الحكم، على أن يبقى العمل خلال فترة الأربعة أشهر هذه تحت رقابة من ينتدبه كل من معالي وزيري البيئة والأشغال العامة والنقل وما يستنسبانه من تدابير تقتضيها سلامة البيئة المحيطة وأمن الملاحة الجوية.
سادساً: رد طلب الغرامة الإكراهية ورد الأسباب والمطالب الزائدة أو المخالفة وتضمين المدعى عليهما نفقات المحاكمة جميعها.