الملفات الضاغطة كثيرة: سياسية واقتصادية وإنمائية وأمنية وخدماتية وغيره. ولا شك في أن لدى الرئيس ميشال عون في مطلع عهده أموراً كثيرة تشغله وتسرق وقته وتمنعه من التزام البرنامج اليومي الذي عوّد نفسه عليه.


لكن مع ذلك لا يكاد يمر أسبوع دون أن يخطو الرئيس خطوة مفاجئة وغير متوقعة تعيد التذكير بأن من يقيم في بعبدا ليس أبداً مجرد رئيس آخر. فبموازاة التصاريح شبه اليومية التي تستلزم قراءة متأنية للتمعن بما يقوله هذا الرجل للقضاة والضباط ورؤساء الاتحادات البلدية والبلديات وكل من يزوره، هناك دائماً خطوة إضافية: قبل أسبوعين خرج الرئيس واللبنانية الأولى ليمضيا مع الرهبنة الأنطونية يوماً احتفالياً كاملاً بمناسبة عيد القديس أنطونيوس الكبير الذي يوصف بأبي الرهبان. وقبلها منح وساماً لمطران القدس الراحل المقاوم هيلاريون كبوجي. الأسبوع الماضي حجز وقتاً عاطفياً خاصاً ليستقبل وسط زحمة المهمات الرسمية وفداً من الأصدقاء الفرنسيين يعيد رسم صورة الرئيس كقائد سابق لجيش لم يتخلّ أصدقاؤه عنه حين هزم في معركة، ولم يتخلّ هو عنهم حين عاد وانتصر. أما أمس، فكان القصر الرئاسي أمام بادرة استثنائية أخرى تتمثل بتكريم متروبوليت جبل لبنان وجبيل والبترون للروم الأورثوذكس المطران جورج خضر، وتقليده وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر، تقديراً كما قال بيان القصر لقامته المهيبة وعطائه وحضوره في لبنان والكنيسة المشرقية والعالم، باعتباره رمزاً وطنياً جامعاً في اللاهوت والفكر الإنساني والانتماء اللبناني العربي الحضاري. ولعل الخطوة بكل رمزيتها كان يمكن وضعها في سياق خطوات مماثلة أخرى أقل رمزية طبعاً شهدها القصر في عهود سابقة، لكن كلمة الرئيس العاطفية والمرتجلة والشخصية أتت لتؤكد أن القصر لا يفتعل هذه الخطوات افتعالاً، بل هناك عقل وعاطفة مختلفتان يحكمان لبنان هذه الأيام. فبحضور بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأورثوذكس يوحنا العاشر وأفراد من عائلة المطران خضر وأصدقائه ومدعويه، وقف الرئيس ليقول: «أنت حضرة المطران قامة مشرقية أممية عملاقة، تختزن تراثاً يشكل كنزاً ثميناً وسخياً، ليس للطائفة الأورثوذكسية فحسب، إنما للبنان والعالم. وأنا أتساءل عمن هو أجدر بالتكريم: المطران جورج خضر أم اللاهوتي الكبير أم المفكر الفيلسوف أم المصلح الاجتماعي أم حامل شعلة الضوء والرؤيا في زمن الظلمة والانغلاق. لأكثر من نصف قرن من الزمن شكلت عظاتك ومقالاتك وكتاباتك في الدين والفلسفة والاجتماع رابطاً عمودياً، ما بين الإنسان والخالق، ومداً أفقياً عميقاً ما بين الإنسان والإنسان. وكأنك جئت رسولاً في مهمة تعريف البشر بالله وبأنفسهم». وبكثير من التواضع والحب الواضح، قال الرئيس للمطران: «أطال الله في عمرك سيدنا المطران العلامة، وألهمنا السير على خطاك».