منذ نحو أسبوع، يجري التداول بمشروع الموازنة المعدّ من قبل وزارة المال. يأتي ذلك بعد أكثر من عقد على امتناع السلطة القائمة عن إقرار أي موازنة تجيز لها الإنفاق وجباية الإيرادات في سابقة تاريخية بين الدول. بحسب المشروع المطروح، تسعى الحكومة الحالية إلى زيادة وارداتها لتغطية العجز المتنامي في ظل شهية مفتوحة على زيادة الإنفاق التوزيعي.


تتجه هذه الحكومة إلى اعتماد عدد من الإجراءات الضريبية، بعضها يشكّل خطوة الى الأمام كزيادة معدلات الضريبة على أرباح الشركات وأرباح الفوائد ووضع ضريبة على الربح العقاري، وبعضها يندرج في خانة الإمعان في السياسة الضريبية الظالمة والمعيقة كرفع معدل الضريبة على القيمة المضافة وزيادة قيمة رسوم الطابع وغيرها… يفتح هذا الأمر نقاشاً لا بد منه حول السياسة الضريبية للدولة ليطرح عدداً من الأسئلة: كيف يعاد توزيع الثروة في البلد؟ من يتحمل الأعباء الضريبية؟ ماذا يعكس الهيكل الضريبي من علاقات القوة المرسخة؟ وكيف يمكن خلق سياسة ضريبية عادلة بوجود اقتصاد غير منظم؟ يذهب النقاش إلى مستوى أعمق وقلّما يتم التطرق إليه: ما هي العلاقات الجندرية التي يتم ترسيخها من خلال السياسات الضريبية؟ جميع هذه الأسئلة طُرحت أول من أمس في جلسة تشاور مشوّقة نظّمتها شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية ومركز الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة، من أجل مناقشة "العدالة الضريبية في لبنان"، حيث تطرّق الباحث نبيل عبدو إلى مسألة النظام الضريبي من جانبه السياسي، فيما عرضت الباحثة فرح قبيسي تحليلاً جندرياً للسياسات الضريبية.
النظام الضريبي في لبنان ينقل الثروة من الأسفل إلى الأعلى، أي من الفقراء إلى الأغنياء وليس العكس، متعارضاً مع مفهوم العدالة الضريبية التي تقوم على إعادة توزيع الأعباء بشكل عادل على أفراد المجتمع. ففي لبنان "يقع الثقل الضريبي بشكل كبير على عاتق أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط". نتحدث هنا عن مصطلح أساسي: "العنف الضريبي"، أي تشويه النظام الضريبي لمصلحة فئة من الناس من خلال الاستحواذ القانوني على الموارد، وفق ما يشرح عبدو. من خلال الأرقام التي عرضها عبدو، يتبيّن أن العائدات الضريبية تشكل 17% من الناتج الإجمالي، 70% منها ضرائب غير مباشرة، أي ضرائب على المستهلك، ما يعني أن النظام الضريبي يقوم على نقل العبء الضريبي من الرأسمالي والثري إلى المستهلك.
صحيح أن الضريبة غير المباشرة على القيمة المضافة لا تشمل المواد الأساسية مثل الخبز والسكر، لكن ما قد لا يعرفه الكثيرون هو أنها أيضاً لا تشمل اليخوت والألماس واللؤلؤ، التي يبدو أن النظام الضريبي اعتبرها أيضاً مواد أساسية!
في تحليل عائدات الضرائب على الدخل والأرباح تحديداً، يظهر أن الضريبة على الأجور تشكّل 20% من عائدات ضرائب الدخل، والضريبة على الأرباح تشكل 40%، في حين أن الضريبة على أرباح الفوائد ورأس المال تشكل 38%. يشرح عبدو أن هذه الأرقام قد تعطي انطباعاً بأن رأس المال يخضع لضرائب كثيرة مقارنة بالعمال وضرائب الأجور، إلا أن التحليل يكشف العكس. فالضرائب على الأجور تستهدف بشكل أساسي ذوي الدخل المحدود والمتوسط الذين لديهم فرص أقل للتهرب الضريبي من ذوي الدخل المرتفع الذين بإمكانهم إيجاد ثغَر قانونية لتوزيع مداخيلهم على القطاعات الأقل عرضة للضرائب.
في جدول آخر، تُظهر الورقة الفروقات بين الدخل قبل حسم الضرائب وبعدها وفق فئات الدخل، بحيث إن فرق الدخل قبل وبعد الضرائب للفئة التي تتقاضى أكثر من 13500 دولار سنوياً هو 1.2%، في حين أن الفرق للفئة التي تتقاضى أكثر من نصف مليون دولار هو 0.1% فقط، أي لا شيء!


يستخرج النظام
الموارد من عموم الناس ليحوّلها إلى مراكز القوة

يعرض عبدو رسماً بيانياً أساسياً ضمن سياق فهم السياسة الضريبية: تطورت موجودات المصارف في لبنان بشكل متواز مع تطوّر الدين الحكومي. يؤكد هذا الأمر على الطابع الاستخراجي للنظام الضريبي، أي أن النظام يستخرج الموارد من عموم الناس ليحولها إلى مراكز القوة التي تتمثل بالقطاعات الريعية، أي قطاعي المصارف والعقارات.
في الواقع، يمكن فهم علاقات القوة الموجودة داخل النظام من خلال الضرائب. فالنظام الضريبي يخدم رأس المال على حساب العمال، ويخدم الريع على حساب القطاعات الإنتاجية، ويخدم الموردين على حساب المستهلكين، وفق ورقة عبدو.
كذلك، قد تخبرنا الإعفاءات الضريبية الكثير من الأمور التي قد لا تظهر في الضرائب المفروضة: فالضرائب على قطاع الزراعة، الذي يساهم بـ 4% من الناتج المحلي، وعلى قطاع الصناعة، الذي يساهم بـ 8% من الناتج المحلي، تبلغ 15%. لكن بالمقابل لا ضرائب على بيع العقارات، التي توازي 21.5% من الناتج المحلي، في حين أن الضرائب على فوائد المودعين في المصارف، التي توازي نسبة 13% من الناتج المحلي، والضرائب على الفوائد التي تتلقاها المصارف والتي توازي 20% من الناتج المحلي، تبلغ فقط 5%!
هكذا، تخبرنا الأرقام أن القطاعات المنتجة (الصناعة والزراعة) فُرضت عليها ضرائب مرتفعة، فيما أعفيت القطاعات غير المنتجة والريعية من الضرائب أو فُرضت عليها ضرائب لا تذكر؛ بهذا يرسّخ النظام الضريبي سياسة الدولة. لكن، كيف تتم إعادة توزيع الثروة؟ يستنتج عبدو أن إعادة توزيع الثروة لا تحصل عبر النظام الضريبي، إنما من خلال العلاقات الزبائنية.




أبعاد جندرية

للنظام الضريبي أبعاد جندرية أيضاً، نادراً ما تتم مناقشتها. في تحليلها للسياسات الضريبية، تستخلص الباحثة فرح قبيسي نوعين من التمييز الجندري: الأول تمييز صريح موجود في القوانين الضريبية بناءً على الجندر والوضع العائلي، والثاني تمييز ضمني يتصل بالنظام الضريبي الذي، لأسباب هيكلية مرتبطة بالمنظومة الاجتماعية والاقتصادية وموقع كل من النساء والرجال فيها، يؤدي إلى تأثيرات مختلفة. فقانون ضريبة الدخل لم يعط المرأة المتزوجة تنزيلات ضريبية عائلية، على غرار الرجل المتزوج، كما أن قانون التجارة البرية فرض قيوداً على أملاك الزوجة في حال إعلان إفلاس الزوج وهو ما لم يفرضه في الحالة المعاكسة. كذلك، فإن استفادة النساء من خفض الضرائب على الشركات ليست ذي أهمية، من هنا يعني التمييز الجندري أن "نسبة النساء اللواتي يملكن أصولاً وممتلكات أقل بكثير من نسبة الرجال، فإن الحوافز والإعفاءات الضريبية، وانخفاض حصة الإيرادات المتأتية من الضرائب على الريوع والعقارات تذهب لمصلحة الرجال، من الطبقات الأعلى، منها إلى النساء والطبقات الأفقر".
هذا التمييز الجندري يعود بشكل أساسي إلى السياسات الضريبية القائمة على الضرائب غير المباشرة التي تطاول بشكل غير عادل الفقراء، وبالتالي النساء. فوفق ورقة قبيسي، النظام الضريبي "الذي يعتمد بشكل أكبر على الضرائب غير المباشرة هو بشكل تلقائي نظام ضريبي غير منصف للفئات الأدنى، للفقراء، والشباب والنساء".