«إن الطبقات المضطهدة عانت في كل العصور من معضلة شحّ السكن»

فريديريك انجلز

في أوروبا وفي الولايات المتحدة، يقف اليوم الجيل الشاب الذي يسمى المنتمين اليه الألفيين (millenials)، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، على منعطف طرق بين جيل سابق استطاع أن ينهل من المنافع الاقتصادية والمادية للعصر الذهبي للرأسمالية، والذي استمر بين 1945 وبداية السبعينيات وحصل على التعليم والصحة والوظيفة الثابتة والأجر المرتفع والسكن اللائق، وبين ما ينتظره هؤلاء الشباب الآن وفي المستقبل من تزعزع وعدم اليقين وحتى انهيار هذه المنافع الاقتصادية.

فالأزمة الاقتصادية وفشل المشروع النيوليبرالي وتوجّه الاقتصادات الرأسمالية الى الركود الطويل الأمد تلقي بظلالها وثقلها على مستقبل هذا الجيل الجديد، وهم يرون مستقبلهم السيّئ اليوم، فهم بجزء كبير منهم لا يعمل. أما الذين يعملون، فإن عملهم غير مستقر، وأجورهم لا تكفي إلا للعيش من شهر الى شهر. وأكثر ما يأكل أجورهم في بعض الدول هو كلفة السكن. وهنا أيضاً يواجهون أمراً لم يواجهه الجيل السابق، وهو عدم إمكانية استحواذهم على منزل خاص بهم. في بريطانيا، مختبر "الرأسمالية الشعبية" لمارغريت ثاتشر، يبلغ معدل السعر المتوسط للشقة في لندن 10 مرات معدل الأجر، ما دفع بمعهد الدراسات المالية البريطاني إلى أن يقول ما مفاده إن الألفيين بحاجة الى أن يرثوا من أهلهم الذين استطاعوا أن يراكموا ثروة لن يستطيع الجيل الحالي مراكمتها، لكي يستطيعوا الاستحواذ على السكن بشكل عام في بريطانيا. أما في الولايات المتحدة، فقد أشار تقرير صدر مؤخراً إلى أن الألفيين يملكون أصولاً توازي فقط نصف ما كان يملكه الجيل السابق في عمرهم، ويبلغ دخلهم أقل بـ20% من الشباب في أعمارهم في عام 1989.
هذا هو وضع الجيل الجديد في أكبر دولتين رأسماليتين متقدمتين في العالم. أما في لبنان، فهناك أجيال عديدة تتشارك في الإقصاء الاقتصادي وانخفاض المداخيل والثروة، وهم يتراوحون بين الجيل الذي فقد مدّخراته وقيمة دخله في الثمانينيات وبداية التسعينيات على إثر موجات التضخم، والجيل الذي بعد عام 1996 رأى أجوره الحقيقية تتراجع بالمطلق أمام التضخم، ونسبياً أيضاً مقارنة مع تعاظم المداخيل والثروة الناتجة من مداخيل الريع والفوائد، حيث أصبح لبنان من الدول الأعلى في عدم المساواة في الثروة في العالم. وينعكس هذا الأمر أيضاً اليوم حين يتعرض الجيل الذي خسر دخله وثروته في موجات التضخم هذه لمفاعيل قانون الإيجارات الجديد الذي ينزع عنهم الى حدّ كبير "التعويض" الذي حصلوا عليه، والناتج من انخفاض قيمة الإيجارات، والذي خفف جزئياً من وطأة خسارتهم لدخلهم ومدخراتهم. فهذا الأمر ينساه الكثيرون عند الحديث عن "استيلاء" المستأجرين القدامى على أملاك ليست لهم وضرورة إنصاف أصحاب الأبنية. وهنا نسأل: من أنصف العمال والموظفين والمدخرين الصغار والمتوسطين وعكس خسارتهم لدخلهم وثرواتهم؟ ولزيادة الأمور تعقيداً، حققت الفورة العقارية التي حصلت بعد 2007 حتى عام 2012 ارتفاعات في الأسعار أدت، إضافة الى ارتفاع حصة الربح العقاري من الاقتصاد، الى إقصاء قطاعات كبيرة من الشعب اللبناني عن المقدرة على شراء منزل نتيجة لارتفاع أسعار الشقق نسبة إلى الأجر الوسطي.
كل هذا يطرح علينا السؤال الآتي: ما هو الحل الأفضل لهذه الأزمات المتراكمة والآنية؟ أولاً، إن أي حل لأزمة السكن الناتجة من هذا التباعد بين المداخيل والأسعار لا يمكن أن يكون عبر القروض السكنية الخاصة، التي يدفع باتجاهها أكثر وأكثر مصرف لبنان لأسباب إيجاد فرص لاستثمار سيولة المصارف والحفاظ على ارتفاع أسعار العقارات، وبالتالي الربح العقاري، إذ إن هناك حدوداً لهذا الحل، إضافة الى تسبّبه في زيادة الهشاشة المالية للاقتصاد. كذلك، فإن الحل لا يكمن بالتمسك بقانون الايجارات القديم أو القبول بالقانون الجديد الجائر والظالم بحق المستأجرين القدامى، حتى ولو تم تعديله بشكل يجعله أكثر إنصافاً.
إن الحل يكمن في مشروع شمولي يحل معضلة الملكية ومسألة توفير السكن في آن واحد. إن ذلك يجب أن يتم عبر سلسلة إجراءات كنت قد طرحت بعضها في مقالة سابقة؛ أولاً، تعديل قانون الإيجارات بحيث تمدد فترة الايجار الجديد من ثلاث الى تسع سنوات على الاقل، ما يسمح باستقرار منزلي للمستأجرين. ثانياً، تعتبر الشقق المستأجرة على قانون الإيجارات القديم "ملكية متنازعاً عليها" بين المالك والمستأجر القديم، وتنتقل ملكيتها الى "مؤسسة عامة لأملاك الدولة"، ويعطى المالكون سندات تدفع فائدة توازي عائد الإيجارات الصافي بعد حسم كلفة الادارة والتحديث وإعادة البناء، وتحدد الدولة الإيجار للمستأجرين القدامى الحاليين وللذين سيأتون من بعدهم (لا توريث للمساكن) حسب التقسيم المدني، ويزداد مع الوقت ليصل في حدّه الأقصى الى نصف الإيجار السوقي في القطاع المعين. ثالثاً، سنّ قوانين ضريبية جديدة تصيب الثروات المتكدسة في العقارات المرتفعة السعر، ولمنع المضاربة في العقار ولتحريك السوق التأجيرية. رابعاً، تأميم شركة سوليدير بحيث تحصل المؤسسة العامة لأملاك الدولة على 51% من الأسهم و49% لحاملي الأسهم الحاليين، من دون السماح بتداول الأسهم في الأسواق. أخيراً، تقوم المؤسسة العامة بتنفيذ مشاريع سكنية على أراضي الدولة لتمتص الطلب الزائد على المساكن الذي لا تلبّيه أسواق السكن التملكية والتأجيرية الآنفة الذكر، خصوصاً لذوي المداخيل المتدنية.
إن معضلة السكن ومسألة قانون الإيجار القديم لا يمكن أن تبقيا من دون حل واقعي، بين فكّي كماشة الطروحات الشعبوية من جهة وأطماع الرأسمال العقاري والريعي من جهة أخرى. إن الدولة وحدها يمكن أن تخرج هذه المسائل المعقدة والتاريخية الى حيّز الحلول التي أساسها التوزيع العادل والكفوء للملكية وحق السكن، وذلك من أجل مستقبل يستطيع فيه الجيل الجديد أن يجد مكاناً له ولا يجد الجيل القديم نفسه مغبوناً مرة أخرى في نظام اقتصادي يقدس الملكية الخاصة على حساب الأكثرية دوماً.