"علينا أن نفخر، كمجتمع دولي، لأننا في العقدين الماضيين نجحنا في انتشال الملايين من البشر من تحت خط الفقر الشديد"! هذا ما تقوله المؤسسات الاقتصادية الدولية ومراكز الأبحاث المعنية بالفقر واللامساواة.


دوماً تفتتح الدراسات الصادرة عن هذه المؤسسات، المعنية بالفقر واللامساواة، بهذه "الحقيقة"، التي يجب أن نفخر بها، قبل أن تدخل في صلب الموضوع، حيث يعاني العالم من نسبة لا مساواة مخيفة، وعلينا بطريقة ما خفض هذه النسبة. ولكن، كي نتمكن من الافتخار بهذا الإنجاز العظيم، علينا تجاهل حقائق معينة، هي أن خط الفقر الشديد، هو 1.25 دولار يومياً، أي أقل من كلفة مشوار قريب في «السرفيس». وبينما مئات الملايين انتُشلوا فعلاً من تحت هذا الخط، لا يزال نصف سكان العالم يعيشون تحت خط 2.5 دولار يومياً، أي أقل من كلفة «سرفيسين». علينا أن ننسى الـ 1% من البشر الذين تُعَدّ حصتهم من الثروة أكبر من حصة باقي البشر، وأنه في العشرين سنة القادمة، سيهب 500 شخص نحو 2.1 تريليون دولار (أي أكثر من مجموع الناتج الإجمالي المحلي للهند ذات الـ 1.3 مليار مواطن) لورثتهم، دون أن يضطروا إلى بذل أي نوع من الجهد. تذكرنا دراسة أوكسفام تحت عنوان «اقتصاد للـ 99%» بهذه الحقائق (وإن ذكرتنا أيضاً بالإنجاز العظيم المذكور أعلاه)، قبل أن تنتقل إلى الحاجة الماسّة لخلق اقتصاد للـ 99%.

الشركات الكبرى وراء ارتفاع اللامساواة:

وجدت أوكسفام أنَّ الشركات هي اللاعب الأساسي في اقتصاد السوق، وأنه إذا عملت من أجل الجميع ستكون أساسية لبناء مجتمعات عادلة ومزدهرة. ويتابع التقرير قائلاً إن الشركات الكبرى، التي أصبح الكثير منها أكبر من دول (69 من أصل 100 أكبر كيان من حيث الأرباح المحققة هي شركات، وتملك أكثر من أفقر 180 دولة في العالم)، هذه الشركات عملت على مراكمة الثروات للأغنياء، وأن اندفاع الشركات إلى خفض التكاليف وتحقيق أقصى قدر من الأرباح، قد أدى إلى خفض أجور العمّال، وحتى إلى صعود أشكال جديدة من الاستعباد.
يشير التقرير إلى أنّ 21 مليون شخص في العالم يُعَدّون عمّالاً بالسخرة، وينتجون سنوياً ما يساوي 150 مليار دولار أرباحاً للشركات التي يعملون لديها. ويرى التقرير أن الضرائب هي إحدى الطرق الأساسية لمحاربة اللامساواة الشديدة، إذ تفيد الدراسات بأنه يمكن إنهاء ثلاثة أرباع حالات الفقر الشديد، الآن، لو رفُعت الضرائب وخُفضَت «التكاليف الرجعية كالتسلّح».


لا يزال نصف سكان العالم يعيشون تحت خط 2.5 دولار يومياً
ويركّز التقرير على التهرب الضريبي من قبل الشركات التي تستخدم «الملاذات الضريبية»، أو تجبر الدول على التنافس لعقد أفضل «صفقة» ضريبية من خفض معدلات وإعفاءات. ويذكر أن شركة آبل لم تدفع سوى 0.005% نسبة ضرائب على الأرباح التي حققتها في أوروبا عام 2014. كذلك تخسر الدول النامية نحو 100 مليار دولار سنوياً بسبب التهرب الضريبي، إلى جانب المليارات التي تخسرها إثر منحها إعفاءات ضريبية. وبطبيعة الحال، الخاسرون الأكبر هم الذين يعتمدون على الخدمات العامة للعيش، التي كانت تؤمنها هذه المليارات الضائعة. إضافةً إلى السببين الأساسيين المذكورين أعلاه، تقول دراسة أوكسفام أن عوامل أخرى أدّت إلى هنا، هي استخدام الشركات قوتها للضغط على تشكيل السياسات لخلق حالة تناسبها. والعامل الأخير، رأسمالية المساهمين، إذ إن أغلب المساهمين في الشركات هم من الأغنياء، ما يعني أنهم يحققون أرباحاً طائلة لا يعملون من أجلها. وتذهب اليوم 70% من الأرباح التي تحققها الشركات في المملكة المتحدة إلى المساهمين، أي أرباح للمدى القصير، فيما تقلّ نسبة الأرباح التي تذهب نحو الاستثمار، أجور العمّال، وتكاليف الإنتاج الضرورية... إلخ.
ينتقد التقرير سلسلة من الفرضيات الخاطئة التي يراها محور نظرية النيوليبرالية، كمقولة أن السوق دوماً على حق، أو أن الثراء الفردي غير مضرّ، بل ودلالة على النجاح، وأن الهدف الأساسي الذي يجب أن تتشكل حوله السياسات الاقتصادية هو نمو الناتج الإجمالي المحلي، وأن الموارد الطبيعية غير قابلة للنفاذ، مشيراً إلى أن دور هذه الفرضيات أساسي في خلق اقتصادات تحكمها الشركات الكبرى وتحدد مصيرها بحسب ما يفيد مصالحها الخاصة. يذهب التقرير نحو تحديد أسس اقتصاد الـ 99%، يصرّ فيها على محورية موقع الشركات في هذا النوع من الاقتصاد، مشيراً إلى أنه إذا عملت من أجل الجميع، يمكن هذه الشركات أن تكون الحجر الأساس في خلق عالم أكثر عدالة.

اقتصاد الـ 99% اقتصاد إنساني

يعرّف تقرير أوكسفام اقتصاد الـ 99% بأنه اقتصاد يحقق حاجات البشر والكوكب، ويعترف بأن ذلك لن يتحقق عبر القوة الفاعلة في السوق فقط. ويعطي التقرير للحكومة الدور المركزي في ضمان وحماية حقوق وحاجات الجميع، ويصفها بـ«قوة خلّاقة تتجه دوماً نحو التقدم، مسؤولة عن تنظيم السوق لمصلحة الجميع». ويضيف التقرير أن ذلك «يتطلب حكومة ديموقراطية فعّالة، وقابلة للمحاسبة، تمثّل مصالح الشعب بأكمله، لا نخبة صغيرة». ويرى التقرير أن هذا النوع من الأنظمة الاقتصادية، الذي يطلقون عليه وصف «اقتصاد إنساني» لا يفرّق بين الناس بناءً على ألوانهم، أو جندرهم، أو موقعهم الاجتماعي.
يرى التقرير أنه توجد سلسلة من الأمور التي يمكن الحكومة الإقدام عليها كي تضمن خلق هذا الاقتصاد واستمراريته. بدايةً، لا بد للحكومة من خلق آليات تمكّن الشعب من المشاركة مباشرةً في صنع القرارات المتعلقة بالميزانية، ورقابة المؤسسات. وعلى الحكومة أيضاً توفير الضمان الصحي، والتعليم المجاني، والماء النظيف، على أنها حقوق مبدئية لا ميزات. وعلى الصعيد الاقتصادي، على الحكومة أن تعود إلى لعب الدور المحوري في التخطيط الاقتصادي وفي الاستثمار الاستراتيجي لتحقيق أهداف تقدمية، والعمل على ترويج لنماذج أعمال مستدامة، هدفها ليس تحقيق أقصى درجة من الأرباح.

21 مليون شخص
في العالم يُعَدّون عمّالاً بالسخرة

وينطلق التقرير من القول بأن الاقتصاد الإنساني يرى أن الأعمال الإنسانية جميعها متساوية في أنها تستحق أجراً مقابلاً جيداً. ومنها يشدد على أن من مسؤوليات الحكومة أيضاً الاستثمار في الخدمات العامة والبنى التحتية الاجتماعية، ما من شأنه خلق الوظائف، كما يعطي قيمة للعمل غير المدفوع «الذي تقوم به النساء في الغالب، ونستفيد منه جميعاً»، وذلك بسبيل تأمين الحقوق والحماية للأفراد العاملين في الاقتصاد «غير الرسمي».
يركّز التقرير، في مجال الأعمال، على نموذج التعاونيات وملكية الموظفين، مستشهداً بدراسات أظهرت أن هذه الأنواع من الشركات تخلق وظائف أكثر وتدفع أجوراً أعلى للموظفين. وأعطت أمثلة عديدة على ذلك، أهمها في المملكة المتحدة، حيث يعمل مليون شخص في التعاونيات، كما في كينيا حيث يعمل 50% من السكان فيها، وكندا حيث يعمل 40% من السكان فيها. ويذكر أن بليون شخصاً في العالم يكسبون أجورهم من هذه الأنواع من الأعمال، وأنها تنتج 250 مليون وظيفة، وذلك رغم المصاعب التي تواجهها إثر بنية الاقتصاد غير المرحبة بمشاريع كهذه. ويرى التقرير أن التعاونيات، و«الشركات الاجتماعية هي النموذج الأمثل للأعمال في إطار الاقتصاد الإنساني». ولكن يرى التقرير أن أحد العوائق أمام هذا التغيير هو تركّز الثروة في يد القلّة، وأن الحل لذلك هو فرض سلسلة من الضرائب لإعادة توزيعها بنحو عادل، واستخدام ما تحصله الحكومة من هذه العملية للاستثمار في صناعة اقتصاد يغيّر موازين القوة.
يدعو التقرير إلى تقبّل التطور التكنولوجي وإدارته بأطر اجتماعية تقدمية تعمل لمصلحة الـ 99%، لا لمراكمة الأرباح لدى نخبة صغيرة.
"لا شك في أننا أصبحنا في موقع حساس يتطلب منا الإقدام على تغييرات اقتصادية واجتماعية جذرية على مستوى عالمي"، يدعو التقرير، إلّا أن ما لا يتطرق إليه يمثل المسألة الأصعب، كيف نحقق ذلك؟ قد تكون السياسات المقترحة فعالة، ومطلوبة، إلا أنه لا يوجد من يطبقها، أو من يصنع الأرضية المناسبة لتطبيقها. فالحكومات لا تبحث عن طرق جديدة لإدارة الاقتصاد لمصلحة الأكثرية، ولن تسكت الشركات الكبرى عن محاولات حكومية لسد الطريق أمام مراكمتها للأرباح. السؤال دوماً هو: كيف نصل إلى مرحلة مناسبة يمكن الانطلاق منها؟ وهذا ما لا يتطرق إليه التقرير بأي شكل من الأشكال.