الى الآن يقتصر الموقف المعلن لرئيس الجمهورية ميشال عون في مقاربة انتخابات 2017 على تأكيد اصراره على اجراء الانتخابات النيابية تبعاً لقانون جديد للانتخاب، مع تأييده الاقتراع النسبي.


في المقابل يرفض احراجه بتقييده بالمهل القانونية بغية الذهاب بالانتخابات النيابية للفور الى القانون النافذ. لا يبدي اي موقف من المداولات الدائرة بين الافرقاء الاربعة المعنيين بالمشروع المختلط، ويُظهر تمسكه بقانون يصحح التمثيل السياسي.
يقرن الرئيس موقفه بصلاحياته الدستورية كي يقول انه هو الآخر يملك خيارات مستقلة عن الافرقاء الباقين، ما يحول دون تجاوز دوره. عندما لمّح الى الفراغ اظهر قوة الصلاحية التي لم يعتد اسلافه القريبون على استخدامها بتسجيل الاعتراض، كما لو انه ينبش ما لم يكن موجوداً قبلاً. الى الآن لوّح باستخدام صلاحيات ثلاث: اولى رفض توقيع المرسوم العادي القاضي بدعوة الهيئات الانتخابية وهو توقيع ملزم لنفاذه، ثانية رفضه عملاً بالمادة 57 توقيع قانون يقره مجلس النواب بتمديد ولايته وطلب مراجعته مجدداً، ثالثة احتكامه الى المجلس الدستوري لابطال قانون تمديد ولاية المجلس تصر الغالبية النيابية على التمسك به رغم رفض رئيس الجمهورية له. اكثرية كهذه تتطلبها المادة 57 للاصرار على القانون (64+1) لم يعد من السهل الاتيان بها في ظل موازين سياسية جديدة كي تضع البرلمان وجهاً لوجه مع رئيس الجمهورية.
ذلك ما يبدو في الجانب المعلن. في المقلب الآخر يجد رئيس الجمهورية نفسه معنياً بالهدف الفعلي الذي قاده الى الوصول الى الرئاسة، وافضى من ثمّ الى ان يختار المسيحيون بأنفسهم وزراءهم. على ان تبقى الحلقة الثالثة فيه استعادة المقاعد المسيحية من الافرقاء السنّة والشيعة والدروز التي حصلوا عليها في ظل الحقبة السورية. وهو مغزى تمييز عون بين قانون جديد للانتخاب وقانون يصوّب التمثيل السياسي للافرقاء.
على مرّ ثلاثة انتخابات نيابية اجريت في الحقبة السورية، اخضع كل منها لقانون مغاير لسلفه، الا ان انتخابات 1992 و1996 و2000 انتهت الى نتيجة مطابقة رغم اختلاف تقسيم الدوائر الانتخابية. على نحو كهذا، لم يعد المطلوب الوصول الى قانون جديد، بل الخروج منه بواقع سياسي جديد يشبه وصول عون الى الرئاسة وانبثاق حكومة جديدة تبعاً للتوازن السياسي الجديد.


المعطى المستجد: وضع قانون ما بعد مصالحة معراب


لوهلة بدت الصيغ المتتالية للمشروع المختلط انها ستؤول الى تحقيق المتوخى في القانون الجديد، قبل ان تسقط تباعاً لافتقارها الى معايير ثابتة في تبرير توزيع المقاعد في كل من الاقتراعين النسبي والاكثري على الطوائف والمذاهب والمناطق. وبعدما كان الحجة الذهاب الى المشروع المختلط انتزاع الحصة المسيحية من الثنائية الشيعية والرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط، تولدت حجة معاكسة تسببت في ضرب الاقتراح، هو ان الثنائية المسيحية الجديدة تسعى الى حصر الحصة المنتزعة من اولئك بها، وهو ما عكسه تمييز المشروع بين مسيحيين يمثلون فريقاً واحداً ومسلمين يمثلون مذاهب عدة، ناهيك بحصر التصويت الاكثري في الدوائر الصلبة للثنائية المسيحية كي تطيح خصومها المحليين فيها، الى تعويله على نسبية وهمية تتأتى نتائج تطبيقها في دوائرها النسبية كي تكون مكملة لنتائج الاقتراع الاكثري في الدوائر نفسها. فإذا الحصيلة المتوقعة للافرقاء الرئيسيين نفسها في مقاعد طوائفهم، ما خلا المقاعد المسيحية التي تُسحب منهم كي تذهب الى الثنائية المسيحية على انها النظير المعادل لكل من الثنائية الشيعية والحريري وجنبلاط. صعد الى السطح بنبرة عالية رفض الزعيم الدرزي قبل ان يلاقيه النائب سليمان فرنجيه رغم ان دائرته لا تزال نفسها بمقاعدها الثلاثة وفق التصويت الاكثري.
انتهى المطاف بالمشروع المختلط مساء الاثنين الى ان يبلغ حزب الله وحركة امل معاً الى الوزير جبران باسيل معارضتهما المضي في الصيغة المتداولة له. والواضح ان لبّ الخلاف لا يقيم في المقاعد السنية للحريري والدرزية لجنبلاط والشيعية لثنائي حزب الله وحركة امل، بل في اصرار هؤلاء على التمسك بالحصة المسيحية التقليدية منذ عام 1992 لكل منهم، مع تمسكهم كذلك في عدم حصول الثنائية المسيحية على فائض المقاعد المسيحية او تلك التي يُرغمون على التخلي عنها.
على انها المرة الاولى ايضاً مذ ذاك، عام 1992، يتحوّل الفريق المسيحي الى مفاوض رئيسي في وضع القانون لم يعد في الامكان انكار تأثيره. بيد انه ينطلق ايضاً من معطيين اثنين:
اولهما، ربطه اجراء الانتخابات النيابية بقانون جديد للانتخاب، في موقف يكمّل وجهة نظر رئيس الجمهورية في الاصرار على رفض قانون 2008، مع ان المفاوض المسيحي وضع الدوائر المسيحية في الكورة والبترون وبشري وزغرتا وجزين وكسروان (5/4) وجبيل والمتن والدائرة الاولى في بيروت في التصويت الاكثري، وهي بذلك الدوائر نفسها والتصويت ذاته في قانون 2008 الذي يرفضه هذا الفريق.
ثانيهما، انه ينطلق من واقعة المصالحة المسيحية لاكثر من سنة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية. مذ حصلت لم تطرح اي صيغة جديدة لقانون الانتخاب سوى ما كان طُرح قبل المصالحة تلك من دون ان تأخذ الاقتراحات في الاعتبار المعطى الجديد. الآن في ظل مشروع مختلط مختلف عن ذاك الذي طرحه ثلاثي تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، بدا انه يأخذ في الاعتبار التعامل بجدية مع فريق سياسي جديد اكثر تماسكاً واوسع مقدرة على التشبث بشروطه، وبات يملك ــــ كثنائية جديدة الاكثر تمثيلاً للشارع المسيحي ــــ فيتو موازياً لما يملكه الحريري وجنبلاط والثنائية الشيعية. فيتو يجعل كلا منهم يعطل مشروعاً من غير ان يتمكن من فرضه مشروعه هو.