بموازاة بدء دونالد ترامب بتنفيذ سياساته الاقتصادية أو تلك المتعلقة بالمهاجرين، والمواجهة التي استدعتها في الداخل والخارج، تُطرح الأسئلة الكبيرة الآتية:

السؤال الأول: ما هو موقف الرأسمال المعولم والشركات المتعددة الجنسيات من سياسات ترامب الاقتصادية، الحمائية والمنكفئة إلى الداخل الوطني؟

عندما قرّر ريغن وتاتشر في الثمانينيات، تعميم نموذج النيوليبرالية والخصخصة في بلديهما وفي العالم، كان الرأسمال العالمي مؤيّداً، لا بل دافعاً ومحرّضاً. حتى الجامعات كانت قد أعدّت أساتذة وخبراء يروجون للنيوليبرالية، وقد تولى الإعلام بدوره مسألة الترويج لصوابية آراء هؤلاء، أمام الرأي العام. ما هو الواقع اليوم؟ ما هي اتجاهات الرأسمال في أميركا وأوروبا والصين واليابان وغيرها؟ هل تعكس سياسات ترامب قراراً عند الرأسمال الأميركي والعالمي أو جزء منه، في تعديل مسار العولمة الاقتصادية، جراء الأزمات التي تعرض لها في الماضي القريب أو التي يمكن أن يتعرّض لها في المستقبل؟ أو أننا أمام منافسة وتضارب مصالح واتجاهات بين أقطاب الرأسمال العالمي؟
السؤال الثاني: هل نشهد اليوم استقلالية ما للقيم الإنسانية العالمية تجاه المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية، لا بل نوعاً من الصراع المحتدم بين الاثنين؟ من الواضح أنّ المعارضين لسياسة ترامب الخاصة بالمهاجرين من البلدان الإسلامية وغير الإسلامية، يرفعون بوجهه سيف القيم الدستورية الأميركية، المتعلقة بحرية المعتقد والمساواة ورفض التمييز بين البشر بكل أشكاله. حتى أنّ بعضهم يستخدم كلمات مثل "الاعتبارات الأخلاقية" في تفنيد أسباب رفضهم لسياساته. لطالما اعتبرت الولايات المتحدة الأميركية مثالاً صارخاً للتضارب بين قيمها الدستورية ومصالحها الاقتصادية والأمنية في العالم، ولطالما برهنت التجربة أنّ المصالح كانت تنتصر على القيم. الأمر نفسه ينسحب على أوروبا أيضاً ولو بدرجات أقل حدّة، هي التي تشهد أيضاً صراعاً سياسياً بين يمين متطرّف انعزالي يحاكي سياسات ترامب، وكتلة سياسية ليبرالية يسارية تتمسك بالقيم العلمانية المشتركة في أوروبا الموحّدة، والتي تدعو إلى الانفتاح والمساواة ونبذ التمييز واحترام حقوق الإنسان وتأمين العدالة الاجتماعية.
هل يُكتب لهذا الصراع أن يتطوّر على حساب المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية للرأسمال العالمي؟
السؤال الثالث والأخير والذي يعنيني مباشرة: ماذا سيكون موقف الحركة النقابية الدولية من هذه التحولات السياسية والاقتصادية وانعكاساتها على العمال؟ ماذا يمكن أن تكون استراتيجيتها للمرحلة المقبلة؟ هل تنتظر ما سيقرره الرأسمال ومن ثم تطبّع معه كما طبّعت مع النيوليبرالية، متراجعة عن مطالب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات ومستبدلة إياها بمطالب خجولة كالعمل اللائق والحقوق الأساسية في العمل وما شابه؟ كيف تراها ستواجه انحياز الكثير من العمال إلى اليمين المتطرّف في أوروبا وفي أميركا، وهي التي تتحمّل جزءاً من المسؤولية عن ذلك، حتى أكبر من مسؤولية اليسار الذي تراجع عن دوره في التغيير الاجتماعي؟
قدرة ترامب على الاستمرار في سياساته تعتمد الى حد بعيد على الأجوبة المتصلة بهذه الأسئلة.
* خبير نقابي دولي