العقلانية هي النصيحة الاكثر انتشاراً بين الزعماء في صالونات السياسة اللبنانية. هي إحدى صفات الزعيم السياسي الناجح بحسب «قاعدته الشعبية» وبغض النظر عن الانتماء الطائفي. فالسياسي العاقل هو من يسعى الى حل الخلافات عن طريق التسويات، ما يؤدي الى حال من الاستقرار الأمني، وهو ما يتطلع اليه اللبنانيون.


فعقلانية الزعيم السياسي مُقنعة لأنها تستند إلى تفكير قائم أو مرتكز على المنطق السائد.
يستدعي المنطق السائد حل النزاعات بطريقة سلمية. يبرر ذلك التسويات ولو أتت على حساب المبادئ والدستور والقانون. هذه القناعة تبدو راسخة لدى جزء لا يستهان به من اللبنانيين، لا بل ان «ضرورات» التسويات بين المتصارعين «تبيح المحظورات». ومثلما أباحت ضرورة كم افواه المدافع العفو العام من دون اعتراف المعفى عنهم بالجرائم التي ارتكبوها ومن دون اعتذار او تعهد بعدم التكرار، ومن دون الإفصاح عن مصير آلاف المفقودين والمخفيين اثناء الحرب، أباحت ضرورات الحفاظ على الاستقرار الأمني وحماية لبنان من الإرهاب التمديد المحظور دستورياً للمجلس النيابي. وكانت تلك الضرورات نفسها أتاحت لقائد الجيش ان ينتخب رئيساً للجمهورية خلافاً للدستور، وتتيح اليوم تحويل ملايين الدولارات من خزينة الدولة الى هيئة دولية من دون موافقة مجلس النواب.
وقد تتيح ضرورات عدم المس بزعامة امير حرب سابق حظر الانتخاب النسبي، وهو الحد الأدنى من شروط التمثيل الصحيح في المجلس النيابي.
قد يجادل البعض أن الشراكة مع حزب الله في الحكومة من بين محظورات تيار المستقبل ومن معه، لكن «ضرورات» السلم الأهلي اباحت بها. وبالتالي فان عقلانية زعماء المستقبل تتفوق على تهور الوزير أشرف ريفي مثلاً، على الأقل لدى الطبقة الوسطى في بيروت واقليم الخروب وصيدا، وحتى طرابلس الى حد ما.
لكن العقلانية هي، في الأساس، مذهب فلسفي يقول إنّ العقل مصدر كلّ معرفة وليس للتجربة دور فيها. ريفي ربما لم ينسَ تجربة حزب الله في الحلف الرباعي خلال انتخابات 2005 النيابية؟ فهل يراهن على ان قلة وفاء المستقبل تنطبق على حزب الله؟
اللاَّعقلانية هي، في الأساس، مذهب فلسفيّ يقدّم اللاّمعقول على المعقول، ويقول بأن «العالم لا يُدرك كله بالمعرفة الواضحة بل يتضمّن بقايا غير معقولة وغير قابلة للتأويل».
العاقل هو كذلك الممتنع. فعندما يقال عَقَّلَهُ عن حاجة ما يعني منعهُ عنها. وقد يكون الامتناع عن الدخول في تسويات هو أساس العقلانية حتى لو أدى الى عدم استقرار أمني. فلا يجوز، مثلاً، البحث عن تسويات في حالات الجرم المشهود بل من واجب الضابطة العدلية ملاحقة المجرمين واحالتهم على القضاء حتى لو أدى ذلك الى اضطرابات أمنية. يطرح ذلك سؤالين أساسيين: كيف يمكن تشخيص الجرم المشهود وكيف تحدد الضابطة العدلية؟ قد تخضع الإجابتان لتسويات «عقلانية» حسب حجم وقوة المشتبه فيه بارتكاب الجرم المشهود. وقد يضيع مصدر الاشتباه قبل تراجع الشهود. ومن الشهود أصلاً من قد يستغل الموقف للتفاوض على تسويات فرعية أو يرضخ للتهديد والوعيد. أما تحديد الضابطة العدلية فحدث ولا حرج عن ارتهان للسلطة القوية والمصالح الفردية.
بدأ عهد الرئيس العماد ميشال عون بتسوية تاريخية أدت الى وصوله الى قصر بعبدا. وتجسدت التسوية في زيارة الرئيس على رأس وفد كبير الى المملكة العربية السعودية وقطر وفي توقف المطالبة بانسحاب حزب الله من سوريا وتعطل الهجوم اليومي لتيار المستقبل ضد المقاومة عبر المنابر والشاشات.
صحيح ان هذه التسوية اتاحت الاستقرار الأمني واراحت اللبنانيين واعادت أملهم في مستقبل أفضل لكنها لا تصنع دولة.
ان شطارات رفع السقف خلال التداولات اليومية بحثاً عن قانون للانتخابات النيابية لن تسهل الوصول الى حل يرتكز على مبادئ الديمقراطية والتمثيل الصحيح، بل قد تدفع تحو تسوية تبيح نسف «مختلط» (جزئي) للديمقراطية بحجة ضرورة تجنب الفراغ.
رسم الرئيس ميشال عون حدوداً واضحة لتسوية قانون الستين وتعديلاته المقترحة من خلال نسفه طروحات وزير التسويات في مجلس الوزراء واعلانه تفضيل الفراغ.
وهنا يسأل البعض هل ان موقف الرئيس مبني على تمسكه بمبدأ التمثيل الصحيح أو على قياسه ضعف أخصامه؟ أم ان الرئيس قرر إعادة خلط الاوراق وهو يؤسس لبنية سياسية جديدة للسلطة يستعيد من خلالها لبنان عافيته؟ وهل يستدعي ذلك باقة جديدة من التسويات المرحلية ليتمكن في المرحلة التي تليها من قيادة خطة بناء الدولة من دون أي عقبات جدية؟
صحيح ان الرئيس عون متمسك بالشرعية الدستورية وسيادة القانون أساس نظام الحكم في الدولة، لكن هل يمكن ان ينجح في تحقيق ذلك في ظل حفلة التسويات؟ أوليس العاقل من «يدبر الأشياء ويقيسها قبل مباشرتها، فما رجا أن يتم له منها أقدم عليه، وما خاف أن يتعذر عليه منها انحرف عنه ولم يلتفت إليه» (ابن المقفع)؟