تطالعنا منذ شهر تقريباً إعلانات على الطرقات تعد المواطنين بقرض لشراء منزل من دون دفع أية فوائد. بنك سوريا ولبنان يقول على الموقع الخاص به إن أحد شروط القرض أن يدفع الزبون 25% من سعر الشقة للبائع، بالإضافة الى مبلغ "مسبق الدفع" تراوح نسبته، حسب مدة القرض، بين 17.5% و31% من قيمة القرض المطلوب. لا شروحات أخرى عن هذا البند.


لكن عند الاتصال بالبنك، سيتم أولاً إخبارك بأن هذا القرض هو بالتعاون مع مصرف لبنان (لا يأتي ذكر ذلك على الموقع الرسمي)، ثم يبدأ الموظف بشرح شروط القرض وكيفية سداده، مع تأكيده دائماً أن الفائدة صفر بالمئة.
باستطاعة أي مواطن لديه إلمام بسيط بالأمور المالية، أن يستخرج تلك المعلومة من الموظف: المبلغ المسبق الدفع يجب أن يقوم الزبون بتحويله الى البنك عند حصوله على القرض. فإذا كان سعر الشقة مثلاً 400 مليون ليرة، عليك أن تدفع 25% من سعرها الى البائع (أي 100 مليون)، فتكون قيمة القرض الذي تطلبه 300 مليون. لكن المفاجأة هي أن عليك أن تقتطع نسبة 31% من تلك القيمة (أي 93 مليوناً، إن كانت مدة سداد القرض 10 سنوات) لتدفعها مباشرة للمصرف، فيتبقى لديك من القرض مبلغ 207 ملايين ليرة فقط لا غير! ما يعني أنك لن تستطيع دفع كامل مبلغ الشقة إلا إذا كنت تملك تلك الـ 93 مليوناً أساساً (بالاضافة الى الـ 100 مليون التي تدفعها للمالك).


شرط الحصول على القرض هو أن تدفع مبلغاً إلى المصرف يوظفه في السندات

عندما "تحشر" الموظف بهذا التفصيل، يأتيك الجواب بأن ذلك صحيح، لكن لا تنسَ أنك لن تدفع أية فوائد على مبلغ الـ 207 ملايين التي ستأخذها! هذا يعني أنك ستأخذ 300 مليون من البنك ثم تعطيه 93 مليوناً فوراً، فيتبقى لك مبلغ 207 ملايين تقسطها على مدى عشر سنوات. الـ 93 مليوناً التي تملكها اليوم، تستطيع توظيفها في سندات خزينة للدولة اللبنانية مع عائد يقارب الـ 7 بالمئة على عشر سنوات. لكن بدلاً من ذلك، فإن شرط حصولك على القرض هو أن تدفع هذا المبلغ إلى المصرف، الذي سيعمد الى إقراض الدولة عن طريق شراء سندات الخزينة على المدى الطويل، ويجني الفوائد بدلاً منك، التي ستصبح قيمتها 165 مليوناً عند استحقاق السندات.
بالمقابل، فإن المصرف سيقرضك 207 ملايين مدعومة من مصرف لبنان الذي سيدفع فائدة لمصرف لبنان وسوريا على المبلغ الكلي (300 مليون) لا تقل نسبتها عن 3 بالمئة (قياساً على الدعم الذي يعطيه مصرف لبنان في هذا النوع من القروض). هكذا، فإن المصرف سيستدين أموالاً مدعومة من مصرف لبنان على اسمك، ثم يعيد إقراض تلك الأموال للدولة عن طريق شراء سندات. عملية دائرية تعود بالأموال من حيث أتت، لكن مع جني أرباح للبنك من دون أية مخاطر ومن دون بذل أي جهد.
وبحساب بسيط، نكتشف أن مجموع ما ستدفعه للبنك، مسبقاً وعلى دفعات، سيكون أكبر مما ستدفعه في القروض المشابهة الأخرى، كقرض مصرف الإسكان. هل هناك من يحمي المواطن من تلك الألاعيب اللفظية والمتاهات الدفترية؟
هذا ما حصل في الولايات المتحدة الأميركية عشيّة الانهيار المالي والعقاري سنة 2008، والذي كان أحد أسبابه هو أن البنوك عرضت قروضاً ملغومة على المواطنين الذين بأغلبهم تنقصهم المعرفة بالحسابات المالية، فأدى الى فقاعة اقتراض، وإلى عدم قدرة المواطنين على السداد، وإلى الإفلاس المالي في النهاية.
* ناشط لبناني