تلفت مؤشرات التنمية إلى أنه في غالبية مناطق العالم هناك تلازم بين النمو الاجتماعي والاقتصادي من جهة، والتطور الديموقراطي، أو بعض ملامحه، من جهة أخرى، إلّا في العالم العربي.


لماذا هذه الاستثنائية العربية؟ من هذا السؤال انطلق الباحثان سمير المقدسي وإبراهيم البدوي في كتابهما السابق "تفسير العجز الديمقراطي في الوطن العربي"، في محاولة للبحث عن تفسيرات لهذه "الاستثنائية". اليوم، يطلق الباحثان كتابهما الجديد، الصادر عن جامعة "كامبريدج"، بالاشتراك مع نخبة من الباحثين، بعنوان "التحولات الديمقراطية في العالم العربي"، في الجامعة الأميركية في بيروت، بما يمكن اعتباره متابعة للبحث السابق، ولكن للإجابة هذه المرة عن أسئلة أكثر تعمقاً: ما هي ديناميكيات التحول في العالم العربي وشروط نجاحه؟ وما هي العوامل التي تصدّت للتحول الديموقراطي طوال هذه العقود؟
هناك عدة عوامل اقتصادية وسياسية وغيرها يمكن الإشارة إليها كعوامل مساهمة في عرقلة التطور الديمقراطي العربي. إلا أن الكتاب يركز على عاملين يعتبرهما أساسيين في تفسير ظاهرة تعسّر هذا المسار، أولهما الصراعات والحروب، وفي مقدمها الصراع العربي ــ الإسرائيلي، وثانيهما الثروة النفطية وتأثيراتها في المقايضة بين التطور السياسي الديمقراطي من جهة والرفاهية الاقتصادية من جهة أخرى. أضف إلى ذلك تفاعل هذين العاملين مع التدخلات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة ومؤثراتها السلبية في هذا المجال.
في ما يخص الحالة النفطية كعائق للتحول الديمقراطي، يلفت الكتاب إلى أن هذا العائق لا يتمثل بوجود الثروة النفطية بحد ذاتها، وهي ثروة اقتصادية، بل بكون هذه الثروة تشكل في البلدان غير الديمقراطية أداة لتثبيت النظام السياسي القائم. ففي بلد كالنروج، على سبيل المثال، تشكل الثروة النفطية نعمة اقتصادية من دون أي انتقاص من نظامها الديمقراطي المتطور، ويعود السبب الأساسي إلى أن اكتشاف الثروة النفطية حصل بعد تثبيت الديمقراطية، وليس قبله.


تشكل الثروة النفطية
في البلدان غير الديمقراطية أداة لتثبيت النظام السياسي القائم

يستخلص الكتاب أن الموارد الطبيعية تعرقل التحولات الديمقراطية، وريع الموارد يعوق التحول الديمقراطي فقط عندما تُديرها الأنظمة الأقل ديمقراطية أو الديمقراطيات الجزئية. ومع ذلك، فإن ريع الموارد يخضع لتأثيرات مختلفة، حيث يظهر ليكون رادعاً قوياً للديمقراطية فقط في تلك المجتمعات التي فيها موارد كبيرة بالنسبة إلى الفرد الواحد. وهكذا فإن التبعات السلبية للنفط، وأبرزها المقايضة بين الحرية والرفاهية الاقتصادية، كانت تأثيراتها في بعض الدول أكبر مما هي في دول أخرى، إلا أن الترابط في المنطقة موجود، وإن اختلفت تأثيراته من بلد إلى آخر.
يُبرز الكتاب الدور الرئيسي للعامل الثاني، أي الصراعات والحروب في المنطقة العربية وتأثيراتها السلبية كعائق للتحول الديمقراطي. يلحظ الكتاب أن التأثيرات السلبية للصراع العربي - الإسرائيلي بالدول المجاورة أقوى بكثير من تأثيراته بالدول الأبعد جغرافياً ضمن مفهوم ما يسمى "تأثير الجيران". بالاستناد إلى هذا المفهوم، يشير الكتاب إلى أنه كلما توسعت رقعة الديمقراطية، ضعفت قوة السلطة القائمة في الأنظمة الأتوقراطية، ما يعني أن حتى دول النفط قد لا تستطيع أن تُبقي على أنظمتها في حال انتقال الدول المجاورة لها إلى الديمقراطية. فالمجتمعات التي تقع إلى جانب مجتمعات ديمقراطية تميل إلى أن تكون أكثر عرضة للتحول الديمقراطي.
بالإضافة إلى هذين العاملين، يبحث الكتاب في عوامل أخرى قد تكون أقل أهمية، مثل البطالة والقمع. إلا أنّ هذه العوامل تتأثر بالعاملين الأولين، أي النفط والصراعات. فمثلاً، يقول الكتاب: "إن تجاوز معدل البطالة عتبة معينة (10% أو أكثر) يميل إلى تشجيع التحول الديمقراطي، ويُسهم في إفشال الصفقة الأتوقراطية. ومع ذلك، فإن عامل البطالة لا يمكن فصله تماماً عن تأثير الموارد في المجتمعات الغنية، لأن النخب الحاكمة في هذه الحالة يمكن أن توفر أشكالاً أخرى من التحويلات (والتنازلات) خارج نطاق توفير فرص العمل في القطاع العام". أمّا القمع السياسي، فبالرغم من اعتراف الكتاب بعرقلته للتحول الديمقراطي، إلا أن الباحثان يلفتان إلى أن هذا العامل أيضاً لا يمكن فصله تماماً عن تأثير الريع في المجتمعات الغنية بالموارد، أو ما يعرف بالمقايضة بين الرفاهية والحرية، ولذا فإن القمع السياسي ليس بالضرورة من سمات هذه المجتمعات.
لكن ماذا عن الدين؟ ألا يُعَدّ معرقلاً مهماً للتحول الديمقراطي؟ يرى الكتاب أن الدين كدين ليس من معوقات الديمقراطية، ولا ربما دافعاً لها، لكنّ الاستخدام السياسي للدين من قبل المؤسسات الدينية هو الذي قد يعوّق الديموقراطية، إذ قد يستخدم كأداة من أجل تثبيت النظم غير الديمقراطية. بالحديث عن نموذج لبنان، يعتبر الكتاب أن النظام الطائفي التوافقي أعطى مساحة من الحرية، ولكن على حساب عدم تطور الحكم ومؤسساته وانتشار الفساد. السؤال الكبير هو كيف نوفق بين الحرية والتطور المؤسساتي المنشود؟ عن هذا السؤال، والكثير من الأسئلة المتعلقة بـ 5 دول أخرى جرت دراستها في الكتاب هي تونس، مصر، سوريا، الكويت والسودان، سيحاول الباحثان تقديم الاجبات في الندوة المرافقة لاطلاق كتابهما اليوم.