لم يعد يمرّ يوم على مخيّم عين الحلوة للنازحين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني، من دون تسجيل حادثٍ أمنّي «غير عابر». وكأن هذه البقعة الحزينة من العالم قُدِّر لها أن تحمل جلجلة الفلسطينيين على أكتاف سكّانها، الهائمين فقراً وقهراً وموتاً.


مَنْ سَهَّلَ، ومَنْ وَجَّهَ، ومَنْ غَضَّ الطرف عن تحوّل المخيّم إلى ملاذٍ «آمن» لـ«شلّة» من 40 ــ 50 مطلوباً خطيراً على مدى السنوات الماضية، ليس آخرهم الإرهابي شادي المولوي الفار من طرابلس إلى المخيّم؟ لم يعد مهمّاً. المهمّ، أن حال عين الحلوة لا تسرّ عدوّاً: إرهابيون يستعملون فلسطين «قميص عثمان» ويتخذون المخيّم حصناً لهم لزعزعة الأمن اللبناني. الجيش اللبناني واستخباراته يضيقان ذرعاً بعدم قدرة الفصائل على ضبط حركة الإرهابيين، وبعض اللبنانيين ينتظرون الفلسطينيين «على الكوع». أمّا الفصائل فأصناف، منها العاجزة والمنقسمة على ذاتها، ومنها «المتذاكية» التي تلعب على أكثر من وتر، ومنها المنغمسة في تصفية مسألة اللاجئين، كما تنغمس السلطة الفلسطينية ومنافسوها بالتسوية المذلّة.
تبقى الحسرة على المخيّم وأهله: عيّنة فلسطينية من 70 ألف «عكاوي» و«جليلي» في صيدا، أو قل 70 ألف ضحيّة، تتراوح خياراتهم بين الرحيل في أول مركب مرشّح للغرق في البحر على طريق أوروبا، أو الموت العشوائي في الحروب اليومية الصغيرة أو الحرب الكبيرة... بين بيوت «الزنكو» والأزقّة التي لا تراها الشمس!
قبل أشهر، شرع الجيش ببناء سورٍ حول مخيّم عين الحلوة بهدف ضبط المناطق التي يعتبرها ثُغَراً جغرافية تسمح بتسلّل الإرهابيين، وخصوصاً في غربه. ليس من السهل على الجيش بناء سورٍ يعزل المخيّم عن محيطه، وإسرائيل بَنَت جداراً عنصرياً (من الأكبر في التاريخ) تُحاصر خلفه الفلسطينيين. لكن ليس سهلاً على الجيش أيضاً أن يبقى المخيّم ملاذاً لإرهابيين، وسط عجز الفصائل واعتقاد بعضها بأن إبقاء «ريق حلو» مع الإرهابيين أو حتى دعمهم مالياً، بحجّة ردعهم عن استهداف لبنان، يساعدها كي تبقى «بيضة قبّان».
اعترض الرئيس نبيه برّي على السور، ومعه حزب الله، وطلب الإقلاع عن «الجدران العازلة» والبحث عن بدائل لضبط المخيّم، بدل التشبّه بـ«إسرائيل» وإعطاء الإرهابيين والمحرّضين ذريعة السور مجاناً، للتحريض على الجيش اللبناني. وعلى هذا الأساس، عَدَّل الجيش بخطّة السور، وتوقّف بناء الأبراج والجدران لبعض الوقت، وجرى الاتفاق بين استخبارات الجيش والفصائل على وضع الأخيرة خطّة عمل لضبط الأمن في المخيّم، وتسليم المطلوبين للدولة اللبنانية.
غير أن الاجتماعات المتكررة للفصائل واللجان الأمنية والقيادة السياسية الفلسطينية، أفضت إلى رفع الفصائل «ورقة» تحمل عنوان «المنظومة الأمنية الخاصة بعين الحلوة» إلى رئيس فرع مخابرات الجنوب العميد خضر حمود، الذي رفعها بدوره إلى قيادة الجيش. بالنسبة إلى الجيش، لم تقدّم الورقة المذكورة البديل المرتجى لوقف بناء السّور. حتى إن اسم «المنظومة الأمنية» لم يبدُ مشجّعاً. ومع أن ملفّات المطلوبين غير الخطرين يجري علاجها بشكلٍ مستمر، إلّا أن الورقة لم تذكر خطّة مفصّلة لكيفية التخلّص من الإرهابيين الخطرين عبر تسليمهم للدولة اللبنانية أو إخراجهم من المخيّم إلى مكان آخر، ولا مهلة زمنية لتنفيذ ذلك، أو كيفية منعهم من استعمال المخيّم لاستهداف الآمنين داخله وزعزعة الأمن اللبناني. أكثر من ذلك، في الخطّة نقاط لا يمكن أن يوافق عليها الجيش لعدّة اعتبارات. فالقول بتنظيم دوريات مشتركة بين الجيش والفصائل «غير قابل للتطبيق»، إذ إن الجيش لا يدخل إلى المخيّم ليشارك الفلسطينيين دورياتهم، و«لا يمكن أن يسمح بخروج الفلسطينيين بسلاحهم إلى محيط المخيّم، لأن المحيط من مسؤولية الجيش وحده». كذلك لا إمكانية لتبادل المعلومات مع الفصائل، وهذان البندان في الورقة، يُذَكِّران بـ«اتفاقية قاهرة جديدة»، أو بالعودة إلى «ما قبل الـ 1982». ثمّ لم يستسِغ الجيش اقتراح تعزيز النقاط الأمنية الفلسطينية المجاورة لمواقعه ومراصده، بل المطلوب بالنسبة إليه تعزيز مواقع الفصائل وانتشارها في الأحياء التي يتمدّد فيها الإرهابيون ويقضمونها شيئاً فشيئاً.


الفصائل إمّا عاجزة وإما
«متذاكية» وإما منغمسة في مشروع ضرب حق العودة


وحتى الآن، لم تَحْسُم قيادة الجيش موقفها النهائي من الورقة المقدّمة، في ظلّ ما يمكن وصفه بـ«أزمة الثقة» المتبادلة بين الجيش والفصائل، إمّا بسبب «عدم إثبات الفصائل قدرتها على العمل الجدّي»، وإمّا بسبب «قيام الجيش بعملية أمنية داخل المخيّم واعتقال عماد ياسين»، علماً بأن البيان الذي صدر أول من أمس بعد اجتماع «اللجنة الأمنية الفلسطينية العليا» في لبنان برئاسة قائد الأمن الوطني الفلسطيني اللواء صبحي أبو عرب، أشار بشكلٍ واضح إلى أن «الجيش أعطى موافقته على غالبية بنود المنظومة الأمنية التي قدمتها اللجنة بتكليف من القيادة السياسية الموحدة في لبنان إلى قيادة الجيش اللبناني».
هل باستطاعة الفصائل ضبط الوضع وإخراج الإرهابيين من المخيّم؟ السؤال وُجّه إلى أكثر من مسؤول فلسطيني رفيع المستوى. يقول أحد قادة فصائل المقاومة الفلسطينية إن «الجيش يدرك تماماً قدرة الفصائل، وعجزها عن إقناع المطلوبين الخطرين بتسليم أنفسهم أو إخراجهم من المخيّم، وبالتالي، إذا كان هناك نيّة للعمل على هذا الصّعيد، فمن الأفضل أن يُعمل بها على السكت لكي تنجح». باعتقاد الأخير، أن «المخيّم أمام محنة صعبة، والجيش والفصائل يدركون أن استهداف المخيّم مطلوب إسرائيلياً في هذا التوقيت بالذات». في المقابل، يقول مسؤول فلسطيني سياسي إن «الفصائل إذا وجدت النيّة بإمكانها ضرب الإرهابيين وإخراجهم من المخيّم أو اعتقالهم وتسليمهم»، لكنّه اتهم أحد الفصائل، بأنه «يريد أن يُبقي الأمور على حالها، لكي تبقى حاجة للجميع». بدوره، يؤكّد أبو عرب، لـ«الأخبار» أن «الأجواء مع الجيش جيّدة جداً على عكس ما يقال، والورقة إن طبقت يمكن أن تحلّ جزءاً كبيراً من المشكلة، ومسألة المطلوبين تحتاج إلى هدوءٍ لتعالج».
عملياً، تركُ الأمر للجيش وحده بدل تقديم خطّة عملية من الفصائل، ما يعني استكمال بناء السور الذي يمتدّ على طول خطّ السّكة في غرب المخيّم، ومن جامع الإمام علي ومنطقة البركسات إلى درب السّيم في شرقه، مع نشر نقاط حراسة مشدّدة. بكلام أوضح، تطويق المخيّم وعزله، والقبض على 70 ألف فلسطيني بين جدرانٍ أربعة، وإبقاء الأمن المتفلّت بالداخل على حاله. وليس خافياً أن الحديث والنقاش بين الجيش والفصائل عن ضرورة تسليم المولوي يعدُّ أولوية، لكن هل يتحوّل شادي المولوي إلى «شاكر العبسي عين الحلوة»، كما كان الأخير سبباً في دمار مخيّم نهر البارد؟ بالنسبة إلى أكثر من مصدر فلسطيني، المقارنة لا تُصح. يقول أحد القادة العسكريين الفلسطينيين، إن الوضع في عين الحلوة مختلف عن البارد، لأنه «في البارد كانت المواجهة مباشرة مع الجيش، ولم يكن هناك فصائل قادرة على مواجهة جماعة العبسي. أمّا في عين الحلوة، فيمكن مواجهتهم من الداخل وتجنيب المخيّم دماراً وتهجيراً تسببه معركة مع الجيش». لكن ماذا عن التحذيرات الأمنية من قدرة التنظيمات الإرهابية على قضم الفصائل واستقطاب العشرات من عناصرها؟ بعض قادة الفصائل يحذّرون من هذا السيناريو الذي سيولّد حرباً، ما لم تتخذ الفصائل قراراً حاسماً بإراحة المخيم أولاً، وتطمين الجيش ثانياً. وما لم يُقدِّم المطلوبون مصلحة المخيّم وفلسطين على مصالحهم الخاصة ومصالح التنظيمات التكفيرية التي ينتمون إليها. وإلّا، فإن المعركة المقبلة طاحنة، داخل «أسوار» المخيّم!




نصائح لعبّاس حول سلاح «القيادة العامة»



على جدول أعمال الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس زيارة بيروت لتهنئة الرئيس ميشال عون والبحث مع الدولة اللبنانية بشؤون المخيّمات الفلسطينية. وبحسب المعلومات، فإن هناك ثلاثة مواعيد حُددت للزيارة، على أن يتمّ الاتفاق على أحدها بين الرئيسين، حالما يكون الرئيس عون جاهزاً. في الأيام الماضية، تسرّب كلامٌ عن نيّة عبّاس طرح ملفّ السلاح الفلسطيني في المخيّمات وخارجها في زيارته الرسمية. غير أن مصادر فلسطينية بارزة أكّدت لـ«الأخبار» أن «هناك نصائح وُجهت لأبو مازن (عبّاس) بعدم التعهّد بما لا يمكن الالتزام به، وخصوصاً لناحية الحديث عن السلاح خارج المخيّمات»، ولا سيّما قواعد «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـــ القيادة العامة» في البقاع والناعمة. وتقول المصادر إنه على الرغم من وضع هذا الملفّ على طاولة الحوار اللبناني ــ اللبناني واللبناني ــ الفلسطيني، إلّا أنه يرتبط بشكلٍ كبير بمنظومة المقاومة في لبنان، وبما يسمّى «وحدة المسار والمصير» بين سوريا ولبنان في مسألة الصراع مع العدو الإسرائيلي. وتقول المصادر إنه «ما من سبب يجعلنا كفلسطينيين ولبنانيين نقدّم ورقة مجانية لإسرائيل، والقول إن هؤلاء الفلسطينيين اللاجئين في لبنان لم يعودوا معنيين بقتالك».