لا يمكن الادعاء أن المواجهة العسكرية الشاملة بين إسرائيل وحزب الله باتت مستبعدة بالمطلق في أي وقت. لكن، في الموازاة، لا يمكن تجاوز انه منذ أكثر من عقد امتنع العدو عن شن حرب في الساحة اللبنانية. فإسرائيل، صاحبة قرار شن الاعتداءات تاريخياً، تمتنع في حد ادنى عن المبادرة العسكرية. ويقابل ذلك، أن استراتيجية حزب الله لا تقوم على اساس الدفع الى مواجهات شاملة، وانما امتلاك قدرة ردع لمنع العدو من تفعيل نياته الاعتدائية.


مع ذلك، يمكن التأكيد أن الحرب كادت أن تنشب، في السنوات القليلة الماضية، في أكثر من مناسبة، وجراء أكثر من حادثة موضعية. الا أن إسرائيل، في كل مرة، كانت تتراجع وتنكفئ. ولا خلاف كبيراً في تفسير هذا الانكفاء. فالمعادلة الإسرائيلية تقوم أساساً على ميزان كلفة أي اعتداءات والجدوى منها. بمعنى اخر، الثمن المقدر لأي مقاربة عسكرية حاضر ومانع في وعي صنّاع القرار في تل أبيب وحساباتهم.
هذا الثمن، المانع، مبني على مدماكين، وينتفي في حال تعذر وجود احدهما: القدرة العسكرية على الحاق الضرر المادي باسرائيل؛ وارادة تفعيل هذه القدرة لدى قيادة حزب الله. وهو، أيضاً، مرتبط ــــ بحسب ما تكرر على لسان مسؤولي إسرائيل وخبرائها واعلامها ــــ بالقدرة العسكرية لحزب الله، كماً ونوعاً ودقة، مع مراتب مختلفة ومتعددة للاسلحة النوعية، أو «الكاسرة للتوازن» حسب التسمية الاسرائيلية.
ولا يمكن إدراك «الثمن المانع للحرب» من ناحية اسرائيل وفهم تأثيره، من دون إدراك حجم القوة العسكرية لحزب الله، وهو ما تحاول الاستخبارات الإسرائيلية الوصول اليه، وتبنى عليه الأبحاث والدراسات وتقييم الاوضاع واستشرافها.
معهد أبحاث الامن القومي في تل ابيب، المؤسسة البحثية الاولى المتخصصة بالشأن الاستراتيجي في اسرائيل، حاول تقدير التعاظم العسكري لحزب الله، ليس من خلال تعداد القدرة وأنواعها ومراتبها وحسب، بل أيضا بما يرتبط بالبنية التنظيمية والتشغيلية لهذه القدرة، مع بحث في النظرية القتالية التي تحولت من نظرية تفعيل قوة لمنظمة حرب عصابات، إلى نظرية قتالية لكيان مؤسساتي يشبه الجيوش النظامية، بما يشمل استراتيجيا نقل المعركة إلى أرض العدو.
البحث الذي أعده رئيس برنامج الميزان العسكري في الشرق الاوسط في المعهد، يفتاح شابير، حدد غاياته من استعراض القدرات العسكرية لحزب الله، وهو محاولة توصيف هذا التهديد ومرتبته في سلم التهديدات الماثلة أمام إسرائيل. لكنه أكد، في المقابل، صعوبة تحديد هذه القدرة، ربطا بنجاحات الحزب بصورة عامة، كمؤسسة عسكرية نظامية (جيش)، في الحفاظ على اسراره العسكرية وعلى حذره وأمن المعلومات لديه. بمعنى ان ما هو منشور عنه قليل جدا مقارنة بما لديه من قدرات.


إسرائيل في الحرب المقبلة ستضطر لمواجهة جيش منظّم ومدرّب ومصمّم


وصدر البحث مع أبحاث أخرى تعنى بالشأن الاستراتيجي والتحديات التي تواجهها اسرائيل، في العدد الاخير من دورية «تقييم استراتيجي» ــــ كانون الثاني 2017، تحت عنوان «حزب الله كجيش». واستعرض القدرة العسكرية للحزب، ضمن ابواب رتبها كالآتي: مقدمة؛ تطور حزب الله ما قبل الحرب في سوريا؛ حزب الله في الحرب السورية؛ البنية والتنظيم؛ التجنيد والتدريب؛ الوحدات القتالية؛ الوحدات المتخصصة؛ صواريخ قصيرة المدى؛ صواريخ بعيدة المدى؛ منظومات دفاع ضد الدروع؛ منظومات دفاع جوي؛ صواريخ أرض ــــ بحر وقوة بحرية؛ سلاح جو (طائرات غير مأهولة)؛ تشكيل مدرعات؛ استخبارات واستخبارات مضادة؛ خدمات اجتماعية ورفاه؛ عقيدة قتالية... وخلاصات.
وإذا كانت القدرات المشار إليه في البحث، بإسهاب، معروفة بقدر، وتنشر حولها تقارير متتابعة في إسرائيل، الا ان الابرز هو الباب الذي يعرض لعقيدة حزب الله القتالية والتطور الذي طرأ عليها، والخلاصة النهائية التي يرد فيها التأكيد أن الحزب هو القوة العسكرية الاكبر و»الاثقل» التي تهدد إسرائيل.
يشير البحث إلى أن عدد مقاتلي حزب الله، كما قدر عام 2006، لم يتجاوز 1000 مقاتل، فيما هو الآن يزيد على 20 ألفاً، يضاف إليهم عدد غير محدد من الاحتياط يتراوح بين 15 ألفاً و70 ألفاً. وهذا التباين في تحديد الاحتياط سببه أن عدداً من الاحتياط، ممن خضع للتدريبات العسكرية، قد لا يصلح بالفعل لتنفيذ مهام قتالية.
في ما يرتبط بالعقيدة القتالية، يؤكد البحث أن الحزب بعد التدخل في سوريا بات مغايرا لما كان عليه قبل ذلك، وخصوصاً لما كان عليه في حرب 2006. ويشير إلى أن الحزب غير معني بالقتال وفق اسلوب «آلة مبرمجة» تمتثل للأوامر وتتحرك وفقها بشكل مسبق. وهو يختلف عن كل جيوش الدول العربية التي تميل إلى الحفاظ على هيكلية هرمية صلبة، إذ انه يثقف مقاتليه على اتخاذ المبادرة الميدانية، والتمتع بهامش حرية عمل بارز خلال القتال.
القتال في سوريا أفاد حزب الله في أكثر من اتجاه وراكم على خبرته الطويلة المكتسبة في مواجهات سابقة مع إسرائيل. فمنذ بداية تدخله في سوريا، حرص على قيادة مهمات قتالية مع اسناد لوجستي من الجيش السوري، حتى في أعقاب التدخل العسكري الروسي. من جهة ثانية، طرأ تطور على قدرات الحزب التشغيلية الميدانية، من قيادة وحدات قتالية صغيرة، إلى قيادة وحدات قتالية كبيرة، مع تنسيق قتالي مع سلاحي الجو والمدفعية. هذا يعني أنه بات يشبه الجيوش النظامية الحديثة. لكن ذلك لا يعني انه سيستخدم في الحرب المقبلة مع اسرائيل هذه النظرية ضمن هيكلية هرمية صلبة، وإنما وفق هيكلية مرنة.
وبالتالي، فإن إسرائيل ستضطر لمواجهة جيش منظّم ومدرّب ومصمّم. وستواجه الخبرة العملياتية التي اكتسبها في اطر تنفيذية قتالية كبرى. ومشاركة الحزب في القتال إلى جانب الجيش السوري وفيلق القدس الإيراني، وجنبا إلى جنب مع الجيش الروسي، وفّر له عتاداً وتجربة قتالية لم يكتسبها من قبل.
مع ذلك، قد لا يلزم حزب الله نفسه بأن يواجه الجيش الإسرائيلي وفق اسلوب سوريا، وسيعمد إلى الابتعاد عن المواجهات الجبهوية المدرعة، وسيفضل تفعيل منظومات الصواريخ واستخدام واسع لمنظومات ضد الدروع، أكبر باضعاف مما استخدمه في المواجهات السابقة. الى جانب ذلك، فإنه قادر أيضا على تفعيل جزء من القدرات المتطورة الموجودة في حوزته، وبشكل خاص المنظومات الدفاعية المحمولة على الآليات، والطائرات من دون طيار لجمع المعلومات، وتنفيذ هجمات في عمق إسرائيل.
في خلاصة البحث، يؤكد معهد أبحاث الأمن القومي أن حزب الله قد لا يكون أكبر قوة عسكرية تهدد إسرائيل. ولكن من المؤكد أنه القوة العسكرية الأكثر تصميماً والأكثر مهنية، وأنه جيش من أفضل الجيوش في الشرق الأوسط. وهو جيش استخلص العبر من مواجهاته مع اسرائيل، وعمد الى بناء القوة العسكرية بصورة مهنية مع وسائل قتالية متطورة، وقوة بشرية مدربة مشبعة بالحافزية، الى جانب عقيدة قتالية مميزة.
سنوات من القتال في سوريا أثرت على حزب الله في اتجاهين متعاكسين. من ناحية، تعاظمت قدرته وتزود بسلاح لم يكن لديه سابقاً، كما هي حال المدرعات والدفاع الجوي، مع اكتساب خبرات تشغيلية. وباتت لديه أيضا خبرة في إدارة تنظيمية للمعارك كما هي حال الجيوش المحترفة. من جهة ثانية، توجد تداعيات سلبية على مقاتليه جراء حرب طويلة ليس ضد العدو الذي جرى اعدادهم لمواجهته… وتحديداً ضد مسلمين آخرين، الأمر الذي تسبب بأضرار بالغة (معنوية) للحزب في لبنان والعالم العربي. لكن في حال المواجهة المستقبلية مع إسرائيل، سيعود حزب الله إلى ايديولوجيته وإلى اصوله وبيئته تماما كما عمل في الماضي، وسيعقب ذلك تأييد واسع في العالم العربي، كان يتمتع به قبل الحرب في سوريا.ن التهديد العسكري الأكثر خطورة لإسرائيل.