الإصلاح السياسي يبدأ من إقرار قانون عادل للانتخابات النيابية، يُساوي بين المواطنين. والعدالة تعني أن تكون كلّ فئات المجتمع ممثلة في المجلس النيابي، عوض أن تستأثر «أقليات» طائفية وحزبية بالقرار السياسي.


والمساواة هي ألا يتم «تعليب» الناخبين وفق انتماءاتهم المذهبية، فتنتصر الطائفية على الوطنية في عملية تخصّ المجتمع ككلّ. ممانعة هذا الطرح تتم من «حراس» هيكل النظام. وقاحتهم في تثبيت النظام الانتخابي الحالي أو خلق آخر يُشبهه، «مُبرّرة» لضمان إنتاج الطبقة السياسية نفسها وإقصاء الأقليات على أنواعها. أمام هذا الواقع، تبرز فئة من الشعب اللبناني لا ترغب في ركوب «البوسطة» الانتخابية بعد اليوم. ناضلت لسنوات طويلة، وما زالت تُناضل من أجل كسر هذه الحلقة. وجدت نفسها في الشارع أمس من جديد للمطالبة بقانون للانتخابات على أساس النسبية خارج القيد الطائفي ولبنان دائرة انتخابية واحدة. هي تظاهرة الحزب الشيوعي اللبناني التي انطلقت من تقاطع مار مخايل ــ النهر (تقاطع برج حمود ــ كورنيش النهر) وصولاً إلى ساحة رياض الصلح. كان إلى جانب «الشيوعي» أفراد من حركة الشعب، حركة الناصريين المستقلين ـــ المرابطون، الوزير السابق شربل نحاس وحملة «بدنا نحاسب».
ليست هامشية المطالبة بتصحيح قانون الانتخابات، بل معركة إعادة تشكيل السلطة. الفرصة سانحة بوجود رئيس للجمهورية «قوي» يتبنّى المطلب أيضاً. على قدر أهميّة هذا المطلب، يأتي انقسام اللبنانيين حوله. قسم يرفض النسبية بسبب التضليل الذي تُمارسه عليه بعض القوى السياسية التي تُحذر من نسبية «في ظلّ السلاح (سلاح حزب الله)»، علماً بأنها تقبل بانتخابات بوجود السلاح نفسه إن كانت وفق قانون يضمن استمرار سيطرتها. وهناك من يربط إقرار النسبية بـ»حرب إلغاء» تُمارس على مذهبه، كالنائب وليد جنبلاط. وقد تكون «أتفه» حجج السلطة لرفض النسبية «عدم فهم الناس لها». المفارقة أنّ العديد من «أبناء المجتمع المدني»، الذين نادوا سابقاً بثورة على أركان الطبقة السياسية، «كلّن يعني كلّن»، استهزأوا أمس بتحرك «الشيوعي». يجدون ألف سبب وسبب لتبرير عدم حماستهم للنسبية. لكن السبب الحقيقي الوحيد أنه النظام الانتخابي الذي يتبناه حزب الله، ولأن بعض الداعين إلى اعتماده ليسوا «على هوى» بعض ناشطي المجتمع المدني.


المفارقة أنّ العديد من «أبناء المجتمع المدني» استهزأوا أمس بتحرك «الشيوعي»


الأعداد التي شاركت في التظاهرة كانت بالآلاف. آلاف قليلة لم تتعدّ العشرة، بحسب المنظمين. الرقم جيّد قياساً باعتياد المعترضين التراخي أمام المطالبة بحقوقهم. قبل سنة ونصف، كان البعض يجلس أمام شاشة التلفاز في منزله يُشاهد التحركات في الشارع بينما تتسلل إليه رائحة النفايات المكدسة خارجاً. واليوم أيضاً يبدو أمام ملّف استراتيجي كقانون الانتخابات مستسلماً لمقولة «ما هيدا بلدنا»، فلا يهبّ «نحو التغيير». القسم الثاني من المسؤولية يقع على الجهة المنظمة التي لا تسد ثغرة قلة التسويق لخطابها ونشاطاتها. سائق الأجرة في بيروت، مثلاً، الذي فوجئ بإقفال الطريق بين الجميزة ومار مخايل لم يكن يعلم بتنظيم تظاهرة. لكن في المحصلة، عاد «الأحمر» إلى الشارع، وبقوة، مقارنةً بتحركات مماثلة سابقاً، واستناداً إلى واقع الاصطفاف الطائفي في البلاد.
بين آلاف الشيوعيين والنقابيين والأشخاص غير الحزبيين الذين شاركوا أمس، صدح صوت طفولي يهتف «الشعب يريد إسقاط النظام». المشاركون يلتفتون بإعجاب تجاه طفلتين تضعان الـ»بيريه» الحمراء. لينا وناهدة تبلغان من العمر تسع سنوات، حين يتلكّأ «الكبار» عن الهتاف تصرخان «14 و8 كلّن قرطة حراميّة». لا تعرفان لماذا تُشاركان في التظاهرة، ولكن «ما بدوم ما بدوم إلاّ المنجل والقدوم». يُعوّل الحزب الشيوعي على الجيل الجديد لـ»نبقى ونستمر». يُخبر عطاالله عن العديد من الوجوه الشابة «نراها للمرّة الأولى، أغلبهم في عمر 15 و16 عاماً». كانوا كُثراً أمس يحملون اللافتات التي تُطالب، إضافة إلى اعتماد النسبية، بخفض سن الاقتراع وإقرار سلسلة الرتب والرواتب وفرض الضريبة التصاعدية وبناء دولة تؤمن الحقوق للبنانيين... دولة مقاومة.
مشاركة الشباب لا تأتي على حساب الجيل القديم «الوفي» للشارع وللشعارات النضالية. آراك، بقامته القصيرة وجسده النحيل، يمشي وحيداً على الرصيف: «إلي 65 سنة بناضل ضدّ كل السراقين». يُسمي، على وجه الخصوص، رئيس مجلس الوزراء ووزير المال السابق فؤاد السنيورة. على بعد أمتارٍ قليلة، كانت فايزة مع صديقتها تستعيد ذكريات الماضي «حين كانوا يضربونني وأنا أوزع مجلّة النداء». يقدر السياسيون أن يسرقوا كلّ شيء «حتى بلدنا ولكن لن يسرقوا أملنا»، يقول حسين ابن حوش النبي البقاعية الذي لفّ نفسه بوشاح شيوعيّ كبير عليه صورة تشي غيفارا. المشكلة التي تواجهنا «هي الدّين، ولن نقدر على أن نُحقق شيء إلا بفصله عن الدولة». يعي أنّ «الأمور تراكمية».
في الصف الأمامي، مشى الأمين العام لـ»الشيوعي» حنا غريب كتفاً إلى كتف مع عدد من السياسيين. عبثاً حاول المنظمون حشد المتظاهرين خلف الصف الأول، فكانوا يتسللون عن الجانبين، متقدمين في أحيانٍ كثيرة على القياديين. قسم من المنظمات وصل مباشرةً إلى ساحة رياض الصلح، «خط السير طويل هذه المرّة. هذا من مميزات القيادة الجديدة»، يقول أحدهم ضاحكاً. على وقع أنظار رجال الأمن وعناصر مكافحة الشغب، ألقى غريب كلمته «ضد هذا النظام السياسي الطائفي (...) ضد سلطته الفاسدة التي تمعن في سياسات الإقصاء والظلم والاستغلال بحق أكثرية الشعب اللبناني». أوضح أنه يتظاهر ليقول لكل اللبنانيين «إنّ هذه الحقوق لن تتحقق إلا بالتغيير، إلا ببناء دولة وطنية ديموقراطية مقاومة». وهذه الأهداف «لا يؤمّنها إلا قانون انتخابي على قاعدة النسبية والدائرة الواحدة وخارج القيد الطائفي، ومعركة هذا القانون هي معركة بناء هذه الدولة التي نريد». دعا غريب اللبنانيين إلى مواصلة النضال والبقاء «على أهبة الاستعداد للتحرك والاعتصام تزامناً مع انعقاد جلسات المجلس النيابي المخصصة لبحث قانون الانتخابات النيابي، والنضال من أجل تعبئة الطاقات وتنظيم حالات الاعتراض في كل المناطق، وتشكيل هيئات ومجالس محلية تؤسّس لبناء حركة شعبية ديمقراطية».