إلى فخامة رئيس الجمهورية

نلتمس منكم أن تحمونا، كما حمانا الرئيس إميل لحود.
1. بلغ عميد الكلية السابق في مطلع شهر تشرين الماضي السن القانونية. استبقت إدارة الجامعة هذا الأمر باتخاذ الإجراءات لتعيين بديل. حدد القانون (66) للعام 2009، كيفية الترشّح والاختيار. يختار مجلس الجامعة 3 أسماء من الخمسة التي يرفعها له مجلس الكلية، بالتصويت. حصل مرشحان على 23 و18 صوتاً، من أصل 26. وتساوى آخران بالحصول على 14 صوتاً. كان ينبغي اختيار أحدهما، وحصل الأكثر أقدمية والأكبر سناً على هذا الحق.

2. لم يُرضِ هذا الأمر المرشح الآخر، الذي لم يقع الاختيار عليه. توسّط لدى وزير التربية والتعليم العالي السابق، وتوسّط هذا الأخير له، واستحصل له على استشارة من "هيئة الاستشارات" في وزارة العدل، فحواها أن من تم اختياره لا يحق له في الأساس أن يترشّح ويتسلّم العمادة، لأنه يبقى لديه نحو سنتين فقط قبل الإحالة إلى التقاعد، في حين أن مدة العمادة هي 4 سنوات.


مأساة الإدارة العامة.
تستقبل وتودّع أنواعاً من الفاشلين والعدوانيين


لا شيء طبعاً في القانون 75/67 الذي لا يزال المرجع، ولا في الممارسة منذ تاريخ صدور هذا القانون، ما يدل على حرمان الأساتذة من حقوقهم المدنية في الترشّح وشغل المواقع الأكاديمية، لأنهم اقتربوا من سن التقاعد.
3. تم تعيين الحائز 23 صوتاً بالتكليف، بانتظار أن يصبح أصيلاً بمرسوم من مجلس الوزراء، بالاستناد إلى عرف داخل الجامعة، يقضي بتوزيع مناصب العمداء على أساس مذهبي، بما يمنع الشطط ويقي الجامعة من الفجور.
4. مرّت شهور، وشُكّلت حكومة جديدة وأصبح للجامعة رئيس جديد ووزير تربية جديد. تبلّغ العميد وأساتذة الكلية أن ملف الطعن الذي أعدّه وزير التربية السابق، جرى مجدداً الأخذ به، الأمر الذي يعيد الأمور إلى النقطة الصفر، ويستدعي إعادة اختيار عميد للكلية "من أول وجديد". استندت رئاسة الجامعة إلى الطعن وصدوره عن هيئة الاستشارات في وزارة العدل، وأصرّ المعارضون على أنه لا يحق لأحد حرمان أستاذ من حقوقه المدنية بمجرّد اقترابه من سن التقاعد، وأن الاستشارة تلك هي "سياسية"، بمعنى أنها دُبّجت كرمى لعيون الوزير السابق.
حين أراد العميد المعيّن، التصدي لعملية استهدافه على هذا النحو، وتقديم طعن أمام قاضي الأمور المستعجلة، ثبّط عزيمته المحامون والمختصّون الذين استشارهم، باعتبار أن قاضي العجلة لن يكسر رأياً صادراً عن "هيئة الاستشارات"، ويأمر بإلغاء الانتخابات التي يجري الإعداد لها.
5. لماذا هذا الإصرار من قبل الوزير السابق على استعداء أفراد الهيئة التعليمية في هذه الكلية، ولمصلحة من؟ يجمع الوزير السابق بالعضو في الهيئة التعليمية المستفيد من الطعن، الانتماء المذهبي والانتماء السياسي. بل إن هذا العضو تسلّم مسؤولية في حزبه أخيراً، على ما قيل. لم تُثمر جهود الوزير السابق قبل أشهر حين كان وزيراً، لفرض اختيار الأخير وفرض تعيينه عميداً، علماً بأن حصول ذلك كان سينشئ مشكلة كبرى في الكلية، لأن هذه الأخيرة ليست من حصة مذهبه، ولأن من فيها باتوا يُستفزّون من هذا الشحن المذهبي الذي لا يكلّ، ويرون أنهم لم يختفوا بعد كمذهب، ليرثهم الآخرون.
6. لم يشر القانون (66) ولا الممارسة الاعتيادية إلى شرط الكفاية، خارج مسألة الرتبة، للتعيين في المواقع الإدارية والأكاديمية العليا. لا يُحضّر أي نوع من الملفات التي توفر خلاصة عن الماضي الأكاديمي للمرشّح وأبحاثه ودقة التزامه بتنفيذ دروسه. في جو التسيّب هذا، يكسب "الفهلوي" المعارك في وجه الأساتذة الرصينين.
7. تتحمس قيادات كثيرة للاصطفافات المذهبية، في حين يتطرّق إليها الأساتذة محرجين. يلجأون إلى سوق هذه الاعتبارات ليحموا إنجازاتهم وكليتهم من "الأشرار". الأمر ليس اصطفافاً مذهبياً، بل هو صراع مستميت بين طرفين ومعسكرين. يمثل المعسكر الأول، أساتذة لم يخلّوا بواجباتهم مرّة واحدة على مدى عمر مهني بكامله. دخل هؤلاء في صراعات وتصدّوا لعملية تحويل التدريس إلى مهزلة في مرحلة سابقة. وهم لا ينسون فضل الرئيس إميل لحود الذي أنشأ "غرفة القضايا" في القصر الجمهوري، واستجاب لصراخهم، وتحرك مستنداً إلى استقصاءات "غرفة القضايا" لتغيير الإدارة في مطلع الألفية، وأتاح لهم بناء كلية جديدة، بمناهج وأساتذة وأداء جدد.
ولأنهم عاشوا تجارب مريرة في رؤية الطلاب من أبنائهم وأهلهم، يُحطم مستقبلهم بعدم المسؤولية وعدم الجدية، ولأنهم تصدّوا لهذا الواقع ونجحوا، فهم يستقوون بتجربتهم هذه، ويواجهون أصناف الفاشلين والعدوانيين الذين تعج الإدارة العامة بهم.
وهذا يجعلهم في صدام مستميت داخل الكلية مع أفراد المعسكر الثاني. وهم مجموعة من لا يريدون أن يدرّسوا، ويريدون أن يكونوا "وجهاء" الكلية، ولو أنهم يخلّون بواجباتهم. ويريدون أن يجعلوا من يدرّسون بجدية، مطأطئي الرؤوس على الدوام.
8. حين "يستقتل" أحدهم للفوز بمنصب، يستخدم انتماءه السياسي لاكتساب الدعم عند أطراف معينة، وانتماءه المذهبي عند أطراف أخرى، وانتماءه المحلّي عند أطراف ثالثة. اكتساب الدعم يبرّر كل شيء، ويحرّر صاحبه من الالتزام بأدنى الموجبات الأخلاقية. وحين تعرّض أحدهم لخيبة كبيرة في حياته الشخصية، تعاطف معه الكلّ واحتضنوه. لكن المشكلة ليست عند الآخرين، بل هي عنده هو. يمتلئ بسبب إخفاقه بـ"سعار" لا ينفك يعبّر عنه بعدوانية فارطة والتسبّب بالأذى مرّة بعد مرّة، للكلية التي فرّغته، ووفرت له أفضل الشروط للعمل. ولو كان هناك ملف أكاديمي يُحضّر قبل الانتخابات، لتبيّن أن أحدهم أضاف اسمه إلى أبحاث حققها أساتذة أجانب، ثم جرى احتسابها له، لترفيعه إلى الرتبة التي تسمح له بالترشّح إلى العمادة.
9. هذه هي مأساة الإدارة العامة. تستقبل وتودّع أنواعاً من الفاشلين والعدوانيين. ولأنه لا أحد يسأل، ولأنه لا مساءلة ولا محاسبة، أو ثواب وعقاب، ولا تقويم لأداء العاملين، يسوم الفاشلون البيئة المحيطة بهم أنواع العسف والهوان.
يعتقد هؤلاء البائسون أن بلادنا العربية ذاهبة إلى انهيار أكبر في مقوماتها وإداراتها الحكومية. وهو ما يشجعهم على الإكثار من التهاون والإسفاف في تعاملهم مع مسؤولياتهم المهنية. وهم مخطئون، لأن الدول العربية تجاوزت قطوع "الشتاء العربي". بل إن الأمل بمستقبل أفضل للعرب، تحققه إدارات حكومية فاعلة تحترم نفسها، هو اليوم أكبر من أي وقت سابق.
10. "جريمة" العميد المنتخب التي لا تغتفر، أنه إزاء التصريح المتكرّر من قبل أحد الأساتذة المتعاقدين بالساعة في العام الماضي، بأنه لا يريد أن يتابع التدريس في المقررات التي كان يتولى تدريسها، استبدل هذا الأخير بأساتذة جدد. هذا الأستاذ المتعاقد هو الآخر من المجموعة في الكلية المحيطة بالوزير السابق.
سيكافح الأساتذة الذين بنوا الكلية بجهدهم وضميرهم الحي، ويتصدّون للذين يريدون شراً بطلابنا ومستقبل لبنان، كائناً ما كان الثمن.