لم يكن بَعْثُ قانون «الستين» إلى الحياة في عام 2008، بعد أربعة عقودٍ على إنتاجه، سوى «جائزة الترضية» التي نالها التيار الوطني الحرّ ورئيسه الجنرال ميشال عون، بعد انتخاب قائد الجيش وقتذاك العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، ليرفع العونيون شعارهم الشهير «رجع الحقّ لأصحابه».


فمن غير المعقول أن تُفرز نتيجة الحسم العسكري السريع الذي سجّله حلفاء عون وقتها ضد مسلحين من تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي تسوية توصل سليمان إلى سدة الرئاسة، ويخرج الحليف «المسيحي» الأقوى لحزب الله من غير مكسب يعكس شرعيته الشعبية في برلمان 2009، الذي أسسّت نتائجه لاحقاً، لوصول عون إلى سدّة رئاسة الجمهورية، بوصفه «المسيحي الأقوى».
و«التسونامي» الثانية التي سجّلها عون في 2009 بعد 2005، وهو على خصامٍ مع حزب القوات اللبنانية، كانت السبب الرئيس في اعتقاد البعض، حتى فترة قريبة، بأن عون الرئيس يناور بدوره للإبقاء على قانون «الستين»، ليحقّق «تسونامي» جديدة كرئيس للجمهورية وحليف للقوات هذه المرّة، وإلغاء القوى المسيحية الأخرى، الأقل تمثيلاً.
خلال الشهر الأخير، لم يترك عون مساحةً للشكّ في رفضه الحاسم لقانون «الستّين» إلى حدّ التهديد، عملياً، بتعطيل الانتخابات. والرئيس لا يمكن أن يقبل بقانون «الستين»، لعدّة اعتبارات، أوّلها أنه لا يريد أن يبدأ عهده بإعادة تدوير قانون انتخابي بائد، وثانيها عدم ترك الوزير جبران باسيل رهينة لأصوات القوات وتحالف حزب الكتائب مع الوزير بطرس حرب في دائرة البترون. والأهم، أن «الستين» يقيّد الرئيس بتحالف أكيد مع القوات اللبنانية.
إلّا أن الرئيس ذهب في الأسبوعين الأخيرين بعيداً جدّاً نحو النسبية، وهو يلاقي في منتصف الطريق حليفه الأوّل حزب الله، ورؤية الرئيس نبيه برّي التقليدية ومطالبته الدائمة بقانون نسبي، على أساس لبنان دائرة واحدة.


النسبية تدفع بالقوات إلى تحالفاتها القديمة لضمان أصوات المرشحين «الضعفاء»


وانتقال عون الواضح من التركيز على القوانين «المختلطة» التي تراعي أو يمكن أن تطمئن الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط، إلى قانونٍ جديد، للنسبية حصّة كبيرة فيه، كما هي الحال مع القانون الذي تقدّمت به حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، لا يصيب الحريري وجنبلاط وحدهما، بل يصيب في خلفياته القوات اللبنانية أيضاً، التي مرّر رئيسها في لحظة الاشتباك الحاد بين عون وجنبلاط رفضه السير بقانونٍ لا يوافق عليه رئيس الاشتراكي.
من المبكر الحديث عن انفراط عقد التحالف بين حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ بعد أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية، خصوصاً في ظلّ خطابات المديح التي ينشدها الطرفان أحدهما حيال الآخر وأجواء التكتلات الطائفية في الإقليم بشكلٍ عام، وفي ظلّ انعكاس التحالف ارتياحاً على المزاج المسيحي، بعد عقودٍ من الصراع السياسي والدموي بين الطرفين.
وخصام الثنائي عون ــ جعجع في السنوات الماضية، الذي استمدّ جذوره التاريخية من الصراع الدائم على كرسي الرئاسة بين الزعماء الموارنة، وإن سبّب انقساماً حادّاً في الشارع المسيحي في مرحلة معيّنة، إلّا أنه كان حاجة، موضوعية، للطرفين. فمن دون جعجع لم يكن عون ليجد خصماً جديّاً في بيئته ويحجز مكانته ذاتها عند حزب الله. ومن دون عون، لم يكن جعجع حاجة حريرية، ومن خلفها حاجة سعودية وأميركية.
لكن كما كان برلمان 2009 مؤسّساً للحظة انتخاب عون رئيساً للجمهورية، لا يختلف برلمان 2017 كثيراً بالنسبة إلى عون، بوصفه مؤسّساً لـ«الخلافة الجيّدة» التي بشّر بها رئيس الجمهورية، والتي لم يقصد بها طبعاً تربّع جعجع بعد ست سنوات على كرسي قصر بعبدا. والتأسيس لـ«خلافة جيدة» بالطبع لا يتوافق مع منح جعجع شراكة وازنة للتيار في المقاعد النيابية، تسمح له على أعتاب نهاية ولاية برلمان 2017 بطرح نفسه مرشّحاً أساسياً لرئاسة الجمهورية، قبل نحو عامٍ من نهاية ولاية الرئيس عون. ويراهن جعجع على النجاح إلى حينها في كسر «فيتو» ثنائي أمل ــ حزب الله عليه، إذا ما استمر في تغيير خطابه السياسي، وإعادة تسويق نفسه، بعد «صكّ البراءة» الذي حصل عليه جرّاء التحالف مع التيار الوطني الحر.
كلّما زادت حصّة النظام الأكثري في القانون الانتخابي، اندفعت الأحزاب والتكتلات الكبرى للتحالف الانتخابي الوثيق لضمان ربح المقاعد كاملةً في الدائرة المعيّنة. وبالتالي، يكون التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية في تحالف «اضطراري/ اختياري»، بما يضمن حصول جعجع على مقاعد في دوائر، لطالما كانت حكراً على التيار الوطني، كجبيل وكسروان وبعبدا وعاليه، ومن حصّة التيار، بينما يفتح توسّع النسبية في النظام الانتخابي الباب أمام الأحزاب والقوى التي تملك قوّة تجييرية كبيرة للتخلّص من عبء تحالفاتها السياسية والخلاف على الحصص والتوازنات. ولعلّ كلام باسيل في مقابلته الأخيرة على قناة الجديد، وقوله إن النسبية تسمح للقوى السياسية بتشكيل لوائح وحدها و«تخلّصنا من الخلافات على الحصص والمقاعد»، مؤشّرٌ على ما يمكن أن يعكسه قانون انتخابي نسبي على العلاقات بين القوى السياسية، لا سيّما التيار الوطني الحر والقوات.
بإمكان القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ تشكيل لائحة مشتركة في المتن الشمالي وبعبدا مثلاً في ظلّ قانون نسبي، لكن لا يستطيع الثنائي أو أي تنظيم سياسي، ربّما عدا حزب الله وحركة أمل، إدارة عملية توزيع الأصوات التفضيلية على الناخبين. وبالتالي، فإن الأصوات التفضيلية حكماً ستصبّ في مصلحة مرشّحي التيار الوطني الحر، بينما يمكن أن يفوز بدل القواتيين المرشّحون الذين حازوا الأصوات التفضيلية في اللائحة المقابلة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى دوائر مثل جبيل وكسروان، وفي صورة معكوسة في الكورة مثلاً. وبذلك يكون من مصلحة القوّات في الدوائر التي يتفوّق فيها التيار الوطني الحر عليها، التحالف مع المرشّحين «الضعفاء» للحصول على أصواتهم لدعم لائحتها، بينما تصبّ قوّتها التجييرية بأصوات تفضيلية لمصلحة مرشّحيها.
ويمكن القول إن القانون النسبي يحرّر التيار من عبء التحالف مع القوات وتناتش الحصص بينهما، وسط الحديث عن رفض التيار منح القوات مقاعد بالمجان. كذلك يسمح للتيار الوطني الحرّ بالحصول على كامل أصوات ثنائي أمل ــ حزب الله في حال شكّل لوائح لا مرشحين قواتيين عليها، خصوصاً بعد أن أبلغ حزب الله عدداً من القوى السياسية، وعلى لسان المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الحاج حسين الخليل، أنه لن يمنح أصواته لمرشّحي القوات اللبنانية. لكنّ تشكيل القوات لوائح وحدها، يسمح لها أيضاً بالتعبير عن قوّتها عبر العودة إلى تحالفاتها القديمة في المناطق مع شخصيات ومنفردين. وقد يقول قائل إن القانون النسبي وإمكان تشكيل لوائح منفردة للتيار والقوات، يسمح لأكثر من شخصية مسيحية مستقلة بالعودة من باب النسبية إلى المجلس النيابي، وحكماً تسمح لرئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجية ليرأس كتلة «معتبرة» من الشخصيات المسيحية، وبالتالي ببقائه مرشّحاً رئاسياً، ومنافساً أساسياً للوزير جبران باسيل بعد 6 سنوات.
فهل تكون النسبية بداية الافتراق بين القوات والتيار وبداية التأسيس لـ«الخلافة الجيّدة»؟ أم يفضّل عون تعويم جعجع في مواجهة فرنجية؟