تقديم رئيسة الكتلة الشعبية ميريام سكاف واجب العزاء بوفاة والدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، لاقى استحسان القيادة القواتية. لم يكن غريباً أن تقوم سكاف بهذه الخطوة، فهي في الأصل ابنة مدينة بشرّي وتربطها علاقة عائلية بجعجع، لكونها ابنة عمّ النائبة ستريدا طوق.


كذلك فإنّ القوات شاركت بوفد كبير في جنازة النائب الراحل الياس سكاف قبل أكثر من سنة. اللافت كان الاستقبال الذي لاقته سكاف والاهتمام القواتي بها، ولا سيّما من قبل رئيس الحزب. في إحدى الصور التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر سكاف جنباً إلى جنب جعجع تُشاركه تقبل التعازي بوالدته. ولكن، لا يُمكن عزل الخطوة عن السياق السياسي، أي بدء الاستعداد للانتخابات النيابية.
دائرة البقاع الأوسط، وزحلة تحديداً، تتداخل فيها كل المكونات السياسية في البلد. ستكون مختبراً أساسياً لتحديد متانة التحالفات بين الحلفاء المستجدّين، وقوة الشخصيات المستقلّة والبيوتات السياسية التي تُحاول التحالفات الانتخابية الثنائية إقصاءها. في الانتخابات البلدية الأخيرة، تبيّن أن مدينة زحلة هي فعلاً «مقبرة الأحزاب». صحيح أنّ لائحتي كل من الكتلة الشعبية والوزير السابق نقولا فتوش لم تتمكنا من الربح، ولكنهما أظهرتا ضعف القوة الشعبية للأحزاب التي اضطرت إلى دقّ أجراس الكنائس لدفع الناخبين إلى الاقتراع.


حاولت القوات إقناع التيار
بتبديل مقعد سليم عون الماروني بمقعد كاثوليكي

ورغم فوزها، فإن لائحة الأحزاب حصلت على عدد أصوات يقل عن مجموع ما حازه منافسوها. لا تريد القيادات الحزبية تذوّق هذه المرارة مجدداً، لذلك تسعى إلى لائحة توافقية تُجنّب زحلة المعركة. تبدو القوات اللبنانية، بحسب مصادر «حيادية» ومطلعة على الجو الانتخابي في «الكرمة»، أكثر المتحمسين لهذا الخيار لعدّة أسباب. تشرح المصادر بأنّه «بين القوات والتيار الوطني الحرّ نقزة متبادلة بأن يتحالف الأخير مع سكاف. العونيون يريدون حصّة في المقاعد موازية لحصة القوات، رغم أنهم أضعف شعبياً. كذلك، حاولت القوات إقناع التيار بتبديل مقعد النائب السابق سليم عون الماروني بمقعد كاثوليكي. النتيجة لم تُحسم ويبقى هذا الأمر رهناً بالقانون وبالتطورات الانتخابية». من جهته، وعد تيار المستقبل «سكاف بأنه سيُجيِّر لها أصواته، من دون أن يظهر على حساب أي طرف آخر سيكون هذا الخرق، هل سيُفضل العلاقة مع رئيس الجمهورية أم التحالف القديم مع القوات، رغم أنّ القلوب بينهما على الصعيد العام لم تصفُ تماماً؟». أما حزب الله، «فواضح أنه لا يرغب في إقفال بيت آل سكاف، والأكيد أن أي تقارب إعلامي مع القوات لن يُترجم بسرعة تحالفاً انتخابياً». يُضاف إلى ذلك، نتائج آخر استطلاع رأي أُجري في زحلة «بيّن أنّ نسبة المترددين بلغت قرابة 40%، ما يُشكل عامل قلق للأحزاب. وكاثوليكياً، حلّت سكاف بالمرتبة الأولى بفارق شاسع عن منافسيها، رغم أنّ القدرة التجييرية للكتلة الشعبية كحزب تراجعت نقاطاً قليلة». أمام هذه الوقائع «المعطوفة على ضعف الأسماء القواتية المطروحة للترشح والتوجه لتغيير النواب الحاليين»، تقول المصادر إنّ سكاف «تلّقت رسائل عدّة من القوات، تعرض عليها التحالف معها. وتحاول القوات إقناع سكاف بأنّ هذا المقعد ستورثه لابنها في المستقبل». ردّ رئيس الكتلة الشعبية، بحسب المصادر، كان نفس الموقف الذي تُردّده منذ فترة. أخبَرَتهم أنّ «حساباتها لا تقوم على أساس ضمان مقعد لها أو لابنها وأنها تسعى إلى تمثيل الكتلة الشعبية، وليس شخصها. لذلك، لن تتنازل عن مطلبها بثلاثة مقاعد على الأقل». تتحدث المصادر عن سكاف قبل البلدية «التي لم تكن خبيرة في السياسة ووجدت نفسها فجأة في منطقة صعبة»، وسكاف بعد البلدية «التي تحاول أن تُفكر بعقلانية أكثر وتدرس خطواتها». تتصرّف من موقع القوة «لأنها مرتاحة على وضعها، فمقعدها مؤمّن أياً يكن القانون الذي سيُعتمد، لماذا إذاً لا تتمسك بخيار المواجهة إذا لم تُلبّ شروطها؟». ليست القوات وحدها من تحاول إقناع سكاف بالتوافق، «أحد المسؤولين التنظيميين الرفيعي المستوى في تيار المستقبل طلب من أصدقاء مشتركين إقناعها بالاكتفاء بمقعد واحد على اللائحة التوافقية». طلب المسؤول المستقبلي سقط قبل الوصول إلى مسامع السيّدة «لأن موقفها من هذا الموضوع ثابت».
من جهتها، تؤكد مصادر مقربة من الكتلة الشعبية أنّ رئيستها تلقت رسالة من صديق مشترك بينها وبين القوات مفادها أنّ «سمير جعجع يبحث عن طريقة للتفاهم مع سكاف. إلا أنّ أي عرض جدي من جانب معراب لم يُقدّم حتى الساعة». سكاف تتصرّف على قاعدة أنّ «اليد ممدودة للجميع، باستثناء آل فتوش الذين لا يوجد تواصل معهم». من هنا، تبرز العلاقة الجيدة مع رئيس الجمهورية ميشال عون، «فتتكل سكاف على نهجه الإصلاحي وعمله من أجل إقرار قانون جديد يضمن صحة التمثيل». ولكن، «لن تتنازل عن حقها بثلاثة نواب لأنها تعتبر أنّ الأحزاب لم تتمكن من تقديم شيء لزحلة».