على وقع الرسائل الردعية لكلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، جاءت مقاربة المعلقين الإسرائيليين المختصين حول إمكانات الحرب المقبلة بين الجانبين، وأسباب امتناعها. الكلمة، وإن استبعدت الحرب منه دون أن تنفيها بالمطلق، فإنها تضمنت أيضاً تهديدات وتحديد مواقع استراتيجية كأهداف ترتبط بالمواجهة الشاملة. واستتبع ذلك دفع التعليق الإسرائيلي من باب طمأنة المستوطنين، ولإعادة التأكيد أن الوضع القائم وموازنة المواقف لا يسمحان باستشراف حرب مقبلة.


استبعاد الحرب مرتبط بـ»التعادل الاستراتيجي» بين الجانبين، كما ورد أمس في صحيفة هآرتس، في قراءة أسباب امتناع الحرب. وهو مفهوم أوسع في تأثيراته من «الردع المتبادل»، المرن والمتغير بطبيعته. «التعادل الاستراتيجي» قد يتعلق باتجاهَي تأثير: الأول بالامتناع عن أصل المبادرة إلى الحرب نتيجة أثمانها ومحدودية جدواها، فيما يرتبط الثاني بردع «يُسقِّف» الضربات المتبادلة، ضمن سياق مواجهة ما دون الحرب الشاملة. ضمن هذا المعنى، هو «تعادل» في مفاعيل استخدام القدرات العسكرية لدى الجانبين.
أشارت هآرتس، ابتداءً، إلى ضرورة ردّ المواقف الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين حول الحرب والحسم الواضح فيها، في مواجهة حزب الله، إلى سياقاتها، من دون أن تعني، بالفعل، أن الحرب ستقع.


«وحدة الرضوان» هي أحد تعبيرات القفزة الرابعة لحزب الله من ناحية عسكرية
من بين هذه التصريحات، ما صدر عن وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، ووزير التربية نفتالي بينت، في اليومين الماضيين، مشيرة إلى «وجوب الاعتراف» بأن الجيش الإسرائيلي لم ينجح منذ أكثر من عقد في إنهاء معركة بانتصار واضح.
تشير الصحيفة إلى أن الجيش الإسرائيلي يواجه صعوبة أمام الحجم الهائل لترسانة حزب الله الصاروخية، بلا رد كامل، إذ قد يصل عدد الصواريخ التي ستسقط على إسرائيل من الأراضي اللبنانية، إلى ألف صاروخ يومياً، وذلك مع بدء الحرب، فيما التوقع أن يزيد هذا العدد، بعد الايام الأولى لاندلاعها.
ويكتب معلق الشؤون العسكرية في الصحيفة، عاموس هرئيل، ليشير إلى أن الحرب في مواجهة حزب الله ستتسبب في كثير من الخسائر البشرية وتدمير للبنى التحتية في شمال إسرائيل ووسطها، حتى وإن كان الثمن المقابل إضراراً بحزب الله ولبنان بصورة أوسع. «لكن في الوقت نفسه، سيتسبب الاستخدام الزائد (من قبل إسرائيل) للقوة العسكرية في تداعيات وأثمان، ومن بينها توتر مع روسيا التي تعتبر، حتى الآن على الاقل، حزب الله جزءاً من التحالف الذي تقوده، لدعم نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد في سوريا».
مع ذلك، تؤكد الصحيفة أنّ حجم الأثمان المقدّر أنْ يتكبّدها الطرفان، في حال اندلعت المواجهة الشاملة بينهما، يحمل في طياته «جانباً إيجابياً»، أي إنه واقع يكمن فيه «تعادل استراتيجي»، مبني على إدراك كل طرف للأضرار المحتلمة التي قد يسبّبها له الطرف الثاني، وهو واقع يساهم في إبعاد الحرب المقبلة. من جانب إسرائيل، تؤكد الصحيفة، هذا «التعادل الاستراتيجي» يبعد «غريزة المغامرة» لدى سياسييها، ويبقي فرضية الحرب ضد حزب الله خياراً أخيراً وحسب.
ويؤكد هرئيل صوابية تقويم الأمين العام لحزب الله، وتشديده على فشل الحروب الجوية. ويشير إلى أن «التساؤلات تحوم حول الحل الهجومي (الجوي) في مواجهة الصواريخ»، إذ من حرب الخليج عام 1991، وفشل أميركا وبريطانيا في «صيد راجمات السكود العراقية»، لا انعطافة من حينه في حروب كهذه. إسرائيل، يضيف هرئيل، فشلت في القضاء على صواريخ غزة في المواجهات الأخيرة مع القطاع، وكانت «نتائج صيد الصواريخ» ضعيفة، بل إن الحرب انتهت من دون انتصار إسرائيلي. و»هذا حدث في منطقة أصغر من المنطقة الجغرافية اللبنانية، وفي ظل عدم وجود صواريخ مضادة لطائرات سلاح الجو»، كما هي الحال لدى حزب الله. يلفت أيضاً إلى أن المعركة البرية في القطاع، كما حدث في عملية «الجرف الصلب»، كانت كذلك محدودة النتائج.

قوة الرضوان: المرحلة الرابعة لتطور حزب الله

من جهتها، أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت، في سياق عرضها لإمكانات المواجهة المقبلة، وأيضاً مع استبعاد نشوبها، إلى أن «تهديد الحرب في الشمال ليس مؤكداً وليس فورياً، رغم أن الجيش الإسرائيلي يستثمر الكثير في تحسين أوضاعه واستعداده على الحدود مع لبنان وسوريا».
تعيد الصحيفة التأكيد أن عشرات الآلاف من الاسرائيليين، بل وربما أكثر من ذلك، سيكونون مضطرين إلى التوجه جنوباً مع بدء المعارك مع حزب الله. والجيش الإسرائيلي يتعامل مع كل الفرضيات الفرعية بناءً على هذا السيناريو، ومن بينها شق طرق ترابية عسكرية تكون متاحة أمام حركة الآليات والجنود الذين سيتوجهون شمالاً إلى الحدود، إذ إن الطرقات الاعتيادية ستكون مكتظة بالسيارات (الهاربين).
وكتب ناحوم برنياع في يديعوت أحرونوت مشيراً إلى ما سمّاه «مراحل تطور» قوة حزب الله العسكرية، لافتاً إلى أن «وحدة الرضوان»، التشكيل العسكري الأكثر تدرباً وتمرّساً في المهمات القتالية، تعدّ المرحلة الرابعة من التطور العسكري للحزب، وهي وحدة أنشئت لاستهداف المواقع الإسرائيلية القريبة من الحدود مع لبنان، بما يشمل المستوطنات والمواقع العسكرية. ويرى برنياع أن حزب الله مرّ بمرحلة أولى في تطوره العسكري حتى عام 2000، مركّزاً على تشكيلات حرب العصابات، فيما المرحلة الثانية حتى عام 2006، تحول فيها إلى «تنظيم نصف جيش»، و»وحدة الرضوان» هي أحد تعبيرات القفزة الرابعة لحزب الله من ناحية عسكرية، جاءت بعد حرب عام 2006، ومن ضمنها نقل المعركة إلى داخل إسرائيل. ولفت في هذا السياق إلى أن «حرب الصواريخ» التي سيفعّلها حزب الله في مواجهة إسرائيل، ستكون مغايرة لما حدث عام 2006؛ فـ»إطلاق الصواريخ في الحرب المقبلة سيكون أكثر تركيزاً وأكثر دقة، فضلاً عن استخدامه للطائرات غير المأهولة».