قبل أكثر مِن مئة عام، جمع عالم النفس الألماني، هوغو منستربرغ، ما كان قد شهده في المحاكم مِن مرافعات لمتّهمين في جرائم مختلفة، وضعها كلّها في كتابه "على منصّة الشاهد". كانت تلك بدايات ما سيُعرف لاحقاً بعلم النفس الجنائي. لطالما كانت المحاكم مكاناً جاذباً لعلماء النفس. لِمَ تحصل الجريمة؟ هذه أعمق مِن الـ"كيف". يدور البحث، في حكم القاضي، حول "الإدراك والانتباه" (أو الإدراك والوعي) للمُتّهم، بل، بحسب منستربرغ، للشهود أيضاً. طرح هذه المسائل في الأنظمة القضائيّة المتطوّرة مسألة مألوفة جدّاً.


في بلادنا المسألة ليست كذلك. لكن جلسة محاكمة طارق يتيم الأخيرة، أمام محكمة الجنايات في بيروت، كانت استثنائيّة.
ثلاثة أطباء نفسيين في قاعة المحكمة. طارق يتيم قتلَ جورج الريف. هذه معروفة. الملايين شاهدوا "مقتلة الصيفي" قبل 19 شهراً. إذا كنت قد شاهدتها آنذاك، وشعرت بأن غضبتك هدأت الآن، فأعد مشاهدة ما سجّلته الكاميرا مجدّداً. على الأرجح، سيتأجج اشمئزازك مِن فعل صاحب "البروتيل" الأبيض. ربّما أقلّ مِن المرّة الأولى. هذا طبيعي.


لماذا قَتل يتيم جورج الريف؟ إنّه قاتل؟ صحيح، لكن لماذا هو كما هو؟

نحن كائنات تعتاد. حسناً، بعيداً عن العاطفة الآن، وإلى العقل، لِماذا قَتل طارق يتيم جورج الريف؟ إنّه قاتل؟ صحيح، لكن لِماذا هو كما هو؟ ولد هكذا؟ إن كان هذا كذلك فكيف يُلام؟ لا، ولد "عاديّاً" ثم حصل له شيء، في طفولته، خارج إرادته، فجعله ما بات عليه؟ السؤال ذاته، أيضاً هل يُلام هنا؟ مهلاً، بالتأكيد لا يُمكن لأحد القول تعال وعش معه، أو دعه بين الناس، هذه محسومة، عزل هؤلاء في مكان احترازي، السجن مثلاً، هو الخيار العقلاني "حفظاً للمجتمع". عند ضرورة إبعاد الخطر عن الآمنين، يُصبح سؤال لِماذا أصبح المُجرم مُجرِماً ترفاً وهبلاً. لكن السؤال المطروح مُختلف، في منطقة أخرى تماماً: هل كان، لحظة الجريمة، مُدركاً وواعياً لما يَفعل؟ هذا ليس تفصيلاً. هذا تُعنى به المحكمة في لبنان، وهذا ما أذِنت به أيضاً، مستدعية الأطباء النفسيين الثلاثة. هذه تُسجّل للمحكمة، وللقاضية هيلانة اسكندر، التي نجحت في إدارة الجلسة (غير الاعتياديّة) بعد شجار نتيجة تباين تقويم الأطباء لحالة المُتّهم.
في الواقع، لم تكن إفادة الدكتور أحمد عيّاش، في المحكمة، متعارضة بعمق مع إفادة الدكتور رامي بوخليل ومِن بعده الدكتور إيلي كرم. لكنّ وكيل الادعاء استفزّته إفادة عيّاش، ربّما لأنّه تحدّث عن "طفولة معذّبة" للمُتّهم، وأنّه نشأ بعيداً عن والديه في مؤسسة خيريّة، وأنّه تعرّض ذات مرّة لاعتداء مِن عسكريين سوريين بالسكين، وبالتالي فهو "لديه شخصيّة غير متّزنة ومفرطة في انفعالاتها". إضافة لافتة أخرى مِن عيّاش جاء فيها: "هذه الظروف تجعل أشخاصاً كهؤلاء يشعرون بأنّ المجتمع لم يُنصفهم، وأنّ حتّى الربّ لم يُنصفهم". لكن في المقابل قال أيضاً: "هذه الظروف لا تؤدّي إلى فقدان الوعي". رد الفعل المفرط جاء، هذه المرّة، مِن جانب المحامي وكيل جهة الادّعاء، الذي أساء لعيّاش وقال له "لقد اشتروك". تدخّلت القاضيّة ورفضت تعليق المحامي. لغة العلم غير محبّذة عادة عند الجهة المتضرّرة، حتّى وإن كانت مجرّدة وفي العموم، وبالتالي نُصبح هنا أمام "نفسيّة" تحتاج نفسها إلى تقويم. هل سيكون للتحليل النفسي، على الطريقة الفرويديّة، في اللاشعور أو اللاوعي، أثر على قرار المحكمة في البراءة مثلاً؟ كلا، وإلا لوجب فتح أبواب السجون الآن لكل نزلائها. هل سيكون له أثر في تخفيف العقوبة؟ هذه واردة، وإن كانت غير ملحوظة في نصوص القانون، وإنّما تبقى مستبعدة بحسب مصادر قضائيّة، لكن القانون نفسه أعطى للقاضي أيضاً مساحة في "حق التقدير".
اللافت أن الدكتور كرم أفاد أيضاً عن "وعي وإدراك" المُتهم لحظة الجريمة، لكنّه "لم يكن يُريد القتل، بل أراد ضرب الريف لإسكاته، كونه فعلها سابقاً مع غيره وأسكتهم". المُتهم عمل سابقاً "مرافقاً" لأحد النافذين. كانت مهمّته "الضرب". كانت مهنته. أين ذاك النافذ الآن؟ لنا أن نتخيّله على سرير وثير ينفث سيجاره الفاخر بعد حمّام لطيف. بحسب التحقيقات، يتيم لم يطعن الريف، وإنّما ضربه تكراراً بعقب السكين، بهدف الإيلام، وبالفعل أصيب في النهاية بـ"صدمة الألم" وفارق الحياة. أمّا الدكتور الأول، بوخليل، فأهميّة إفادته أنّها تؤكّد معاينته ليتيم قبل نحو أسبوعين مِن الجريمة. كان للمُتّهم سوابق متنوّعة.
لدى يتيم وشم لذئب على يده. يقول إنّه سيحميه. الأوشام حكاية وحدها. هل كان مُدركاً وواعياً لحظة الجريمة؟ هذا ما تُريد المحكمة معرفته. عند هذه الحدود تتوقّف ولا يُمكنها أن تذهب أبعد. سيتبيّن أنّ سؤالَ لِماذا أصبح الكائن المُتّهم على ما هو عليه، وما هو أعمق، ليس مِن اختصاص المحكمة، وأنّ المحاكمة وفق هذه الفلسفة هي مِن اختصاص الربّ، مسألة ميتافيزيقيّة، أو بكلّ بساطة يُمكن القول إنّه لا عدالة مُطلقة في هذا الوجود... وإنّ هذا العالم ليس حلّاً.