لا يبدو الاحتفال السنوي الذي تحييه الملحقيّة العسكرية الروسية في بيروت، احتفاءً بذكرى عيد الجيش الروسي في 23 شباط، تقليدياً هذا العام. مع أن طقس الاحتفال لن يختلف كثيراً عن العام الماضي، والدعوات مقتصرة على حوالى مئتي شخصية سياسية وأمنية واقتصادية لبنانية في احتفال هذا الأسبوع. إلّا أن الحركة الروسية المتسارعة تجاه الملفّات اللبنانية في العام الأخير، تُؤشّر إلى رغبةٍ روسية في «تقريش» الوجود العسكري للجيش الروسي في سوريا وعلى شرق المتوسط، لبنانياً.


في السنوات الأخيرة، لم تُهْمِل موسكو مناسبةً لفرض هيبتها عسكريّاً، في ظلّ حملة تحديث وتطوير كبيرة تعيشها القوات المسلّحة الروسية، لمواكبة الصراع المتصاعد مع حلف «الناتو» من القطب الشمالي إلى المتوسّط، والرغبة الروسية في استعادة دور المنافس على صدارة العالم. وفي العام الأخير، شكّل التدخل الروسي المباشر في الحرب السورية، وإمساك روسيا بوجود بحري واسع النطاق في البحار الدافئة، من البحر الأسود إلى بحر قزوين ثم المتوسّط، ورقة مهمّة بالنسبة إلى موسكو للدخول كشريك في حلول الأزمات العالمية، لا سيّما الأزمة السورية. وبات هناك شبه تسليم أميركي ــ أوروبي بنفوذ روسي على شرق المتوسّط، مع استمرار النيّات العدائية لحلف «الناتو» تجاه القوّة الروسية الصاعدة.
بالنسبة إلى موسكو، لا يبدو لبنان بقعةً معزولة عن التجاذب مع الأميركيين والأوروبيين، على الساحل الممتدّ من سيناء إلى الاسكندرون. وإذا كان الروس قد نجحوا في انتزاع تفاهم مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وفي إيجاد تفاهم «عملي» مع الأردن، وفي رفع مستوى التنسيق العسكري مع مصر إلى حدود القيام بمناورات مشتركة في المتوسّط وصولاً إلى طرح إنشاء قاعدة عسكرية روسية في شبه جزيرة سيناء، فإن لبنان لا يمكن أن يكون خارج هذه المتغيّرات، ويشكّل بنظر الدبلوماسية الروسية استكمالاً للميدان السوري وتوسّع النفوذ الروسي فيه. «لبنان مثل سوريا لكن من دون حرب»، يقول مصدر دبلوماسي لـ«الأخبار».


الرسائل بين عون والكرملن تؤشر إلى تطوّر كبير في العلاقة


ولا تخفي المصادر نيّة روسيا الإطلال عن قرب على الملفّات الداخلية اللبنانية، بدءاً من ملفّ النفط والغاز، وشؤون المؤسسة العسكرية وملفّات مكافحة الإرهاب، وصولاً إلى قانون الانتخاب، والرؤية الروسية لحفظ التوازن والاستقرار اللبنانيين.
وفي الآونة الأخيرة، تبدو الرسائل المتبادلة بين موسكو ورئيس الجمهورية ميشال عون مشجّعة لرفع مستوى التعاون بين البلدين، خصوصاً أن زيارة عون المرتقبة للعاصمة الروسية يجري الإعداد لها على قدمٍ وساق، وعلى جدول أعمال الزيارة ملفّات أساسية تطوّر العلاقة الرسمية بين الجانبين. وإذا كانت روسيا ترى في حزب الله والرئيس نبيه برّي حلفاء موضوعيين لها نظراً إلى التقارب الكبير في الموقف من الملفّ السوري والموقف من التدخّل الغربي في المنطقة والشراكة في مكافحة الجماعات الإرهابية المدعومة من الغرب، فإن هذا لا يعني أن موسكو غير معنية بالتواصل مع القوى السياسية اللبنانية الأخرى، حتى تلك المحسوبة أو المقرّبة من الأميركيين، في ما تراه موسكو «حفاظاً على التوازن الداخلي وحماية للأمن والاستقرار اللبنانيين».
يبدي الروس اهتماماً بالغاً بالجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الأخرى، مع نيّة لرفع مستوى التنسيق العسكري ودعم الجيش. حتى إنها المرّة الأولى، ربّما، التي تبدو فيها موسكو مهتمّة باسم قائد الجيش الجديد، وإبلاغها من يعنيهم الأمر ضرورة اختيار قائدٍ جديد لا يكنّ العداء لروسيا، ومستعد لاستكمال برامج التعاون العسكري بين الجيشين، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظلّ وجود القوات الروسية على الحدود اللبنانية، البحرية والبرية.
ولا تغيب موسكو بدورها عن نادي الدول الداعية إلى إجراء الانتخابات النيابية في موعدها على أساس قانون جديد. لكنّ المصادر تؤكّد أن السفارة الروسية في بيروت تدرس «الرؤية الأنسب للقانون الانتخابي بالنسبة إلى بلدٍ متنوّع مثل لبنان»، مشيرةً إلى أن «القانون النظري الأنسب هو اعتماد النسبية على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة، لأن القوى والجماعات التي لا تحظى بفرصة تمثيلها في البرلمان والسلطة، ستؤول حكماً إلى التطرّف»، من دون أن تهمل المصادر هواجس أفرقاء آخرين يرفضون مبدأ النسبية، مثل الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط. وتشير المصادر إلى «إمكانية قيام موسكو بالتحرّك للمساعدة على إيجاد تفاهم على صيغة مقبولة لقانون انتخاب من جميع القوى، تجنّباً لأزمة سياسية محتملة، تفتح الباب أمام انكشاف الساحة اللبنانية أمنياً».
لبنان الآن، كما كان دائماً، ساحة للتجاذب والتأثير الاقليمي والدولي،
مع تأثير أكبر هذه المرّة لقوى حليفة لروسيا، في مقابل تراجع القوى الحليفة للأميركيين. فهل تترجم موسكو حضورها المستعاد في الشرق، لبنانياً؟