خلال أسابيع في وزارة الاعلام، قدّم ملحم رياشي دليلاً قاطعاً على أن السلطة التي تمسك بزمام الأمور في لبنان، يمكنها أن تكون معنا لا ضدّنا. يقول لنا رياشي ـــ ونتمنّى أن تسمح له الظروف بالمضيّ قدماً في هذا النهج ـــ إن بوسع أي وزير في لبنان أن يكسب ثقة الناس، بمعزل عن انتماءاته وانتماءاتهم. «القوّات» تريد أن تعطي صورة إيجابيّة عن نفسها، من خلال وزراء «مجتهدين يعملون من أجل المصلحة العامة»، كما يحذّر المرتابون من «مكيدة»؟ لتنصبْ لنا القوى الأخرى «مكائد» من هذا النوع، وسنحتفل بها.


لدينا الكثير من الخلافات مع هذا اليمين الذي لم يخرج من انعزاليته، لكنها لا تحجب أداء رياشي الذي كان يمتلك تشخيصاً لمشاكل الاعلام والصحافة، كونه ابن المهنة، قبل دخول وزارة الاعلام. فيما زميله غطاس خوري يبني حالياً استراتيجيّته في وزارة الثقافة، على دراسة وضعها خبراء أجانب عن كيفيّة «انعاش الثقافة في لبنان»!
فهم وزير الاعلام أن اللحظة السياسيّة الراهنة في لبنان خصبة، ومؤاتية لإطلاق ورشته الاصلاحيّة. أوّل الغيث مقترحات لمجموعة قوانين ومراسيم حطت على مكتب الهيئة العامة لمجلس الوزراء، بهدف إحياء القطاع الاعلامي، وحمايته في الأزمنة الصعبة، وتحديداً حماية الصحافة الورقيّة. هذه الصحافة التي لم تدقّ ساعتها، بخلاف ما ينعق به بعض من يريد تبرير عجزه، أو فشله، أو انسحابه من الطاولة مع الأرباح. وإذا كنا مطالبين بإحياء الصحافة الورقيّة، واعادة اختراعها بأشكال ومضامين وأنماط انتاج جديدة، فإن اقتراحات رياشي (وتندرج في سياق محاولات زملاء سبقوه إلى المقعد نفسه في وزارة الاعلام) من شأنها أن ترسّخ هذا الانبعاث. لم يعد هناك مفرّ من إشراك الدولة في حماية مهنة هي حجر زاوية الحياة الديمقراطيّة، وتقترن بهويّة بيروت، ودورها كعاصمة عربيّة من عواصم الحريّة والتنوير. دور الدولة، حسب مقترحات رياشي، يكون من خلال الدعم المباشر (مساعدة مالية على كل عدد يباع ما يحث على رفع التوزيع، ويلزم الصحف بالشفافيّة وكشف حساباتها)، وغير المباشر (تخفيف الأعباء الضريبيّة والرسوم، وتأمين المداخيل الاعلانيّة والاشتراكات، وتسهيل القروض). ما دام الكل يعيّر الكل في لبنان بـ «المال السياسي»، فليكن دعم الدولة ضمانة حقيقية تفتح الطريق إلى الاستقلاليّة المهنيّة والفكريّة والماليّة. ذلك طبعاً في انتظار اعادة تنظيم «نقابة محررين» حقيقية تحمي حريّة الصحافيين وحقوقهم، وتراقب أداءهم المهني، وتجمعهم حول شرعة أخلاقيّة واحدة. وهذه المشاريع على طاولة رياشي أيضاً.
طبعاً، لم نربح المعركة بعد. طريق اقتراحات القوانين قد تكون شائكة بين الهيئة العامة ومجلس الوزراء والندوة البرلمانيّة. لكن يبدو أن لدينا فرصة جديّة، هذه المرّة، لاعادة بناء المهنة المنكوبة على أسس صحيّة، تراعي مصلحة العاملين فيها بشكل أساسي. فلتتضافر جميع الوسائل الاعلاميّة في لبنان ـــ ولو لمرّة ـــ من أجل دعم مشاريع ملحم رياشي والتعريف بها، ووضع الطبقة السياسيّْة أمام مسؤوليتها.