«إن استدانة القطاع العام تصبّ في مصلحة هؤلاء الذين يملكون الإمكانيات لإقراض الدولة»

توماس بيكيتي

استمرت هذا الأسبوع هجومات اليمين الاقتصادي على الموازنة بشكل لم يسبق له مثيل، واستماتت جمعيات ممثلي الرأسمال في الدفاع عن مصالحها التي دمرت الاقتصاد اللبناني والدولة اللبنانية. في هذا الإطار، لا بد من التشديد على بعض الأمور مع الاعتذار سلفاً عن الدرجة العالية لسآمة الموضوع.

أولاً، إن عدم إقرار الموازنة لأكثر من عشر سنوات لم يكن صدفة أو بسبب الخلافات السياسية، بل لأن الحكومات المتعاقبة، ومعها الرأسماليون اللبنانيون، كانوا يعلمون أن أي موازنة كانت ستعني أن "ساعة الحقيقة" دقت وأنها ستطرح على الملأ ثلاث مسائل أساسية: الحاجة الى زيادة الاستثمار الحكومي، تعديل النظام الضريبي وإقرار السلسلة. كل هذا كان سيضع النموذج الاقتصادي اللبناني على المحك كما يحصل الآن. بدلاً من ذلك، اختارت الحكومات تجاهل الأمر، وخصوصاً أن عدم وجود موازنة كان أيضاً يحقق للخزينة فوائض أولية سمحت بخفض اصطناعي لنسبة الدين العام الى الناتج المحلي، ما ساهم في إسعاد الهيئات الدولية مثل الصندوق والبنك وغيرهما.
ثانياً، حتى لا يستمر ابتزاز اللبنانيين من قبل المصارف، وحتى لا يستمر البعض، ومن بينهم أحد ممثلي "التغيير والإصلاح" في الحكومة، بالقول في برنامج "بلا حصانة" الثلاثاء الماضي، بشكل تبسيطي وغير علمي "كتّر خير المصارف"، لا بد من الإشارة الى أن الدين العام كان أهم الأدوات لزيادة أرباح القطاع المصرفي منذ عام 1992، وبالتالي فإن تمويل الدولة من قبل المصارف لا يحمل أية صفة "وطنية" أو يبرر بأي شكل من الأشكال حملة "التمنين" المستمرة من قبل المصارف أنفسهم والكثيرين غيرهم؛ بل إن العكس صحيح. فمنذ عام 1993، عندما أصبح الاكتتاب بسندات الخزينة أحد أهم الاستثمارات من قبل المصارف، زاد رأسمال المصارف من 140 مليون دولار الى أكثر من 18 مليار دولار، أي بحوالى 120 مرة، وقد كانت العوائد العالية لسندات الخزينة، وخصوصاً في التسعينيات، السبب الأساسي لذلك عبر تأثيرها على أرباح المصارف، التي وصل معدلها الى معدلات مرتفعة جداً على عدة سنوات (وصلت الى 33% في سنة 1996 مثلاً). والأمر الأساسي أيضاً هنا ليس فقط تحقيق هذه السوبر ــ أرباح، بل إن هذا الأمر هو بمثابة إعادة توزيع للدخل من دافعي الضرائب الى المصارف عبر النظام الضريبي، الذي يقع ثقله الأساسي على الطبقات المتوسطة والعاملة، كون 75% من الواردات هي ضرائب غير مباشرة تتحمل وزرها هذه الطبقات. كما تعاني ضرائب الدخل من تدني معدلاتها وقلة تصاعديتها، إذ تدفع شركات الأموال والمصارف منها فقط 15% ضريبة مسطحة (flat tax). ويستمر هذا التحويل للدخل والثروة الى الآن، ولا تزال تبلغ أرباح المصارف 4% من الناتج المحلي في لبنان، بينما في الولايات المتحدة تبلغ 1% فقط. وهنا أريد أن أستشهد بما قاله جوزيف ستيغليتز، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد وشغل سابقاً منصب رئيس الاقتصاديين في البنك الدولي، إذ قال "إذا كانت المصارف تستطيع الاستدانة بفائدة قريبة من الصفر وتشتري سندات حكومية، تدفع 3% مثلاً، فإنها تربح 3% من دون أن تفعل شيئاً". وهنا في لبنان، لا تزال هذه المصارف تربح باستثمارها في سندات الخزينة وشهادات الإيداع التي يصدرها مصرف لبنان بالتحديد، من دون أن تفعل شيئاً، بالإضافة الى تلقيها الهدايا مثل الـ 5 مليارات دولار التي أهداها مصرف لبنان أخيراً إليها عبر "هندسته المالية". وعلى الرغم من ذلك، فهي بكل صلف واستهتار تريد أن تدفع أقل الضرائب الممكنة على فعل هذا "اللا شيء". وهذا حتى في "المنطق الرأسمالي" غير مقبول البتة. وهنا تأتي أهمية اقتراح وزارة المالية في مشروع الموازنة بوقف السماح للمصارف بتنزيل من أرباحها ما تدفعه من ضريبة الـ 5% على الفوائد التي تجنيها من سندات الحزينة وشهادات الإيداع. هنا المطلوب عدم التراجع عن هذا الاقتراح، لأن عدم السماح لهم بذلك يجعل من هذا "الازدواج الضريبي" طريقة كفوءة لتحميل المصارف التي تكتتب بهذه الأدوات وتحقق ربحاً من "دون أن تفعل شيئاً" معدلات ضريبة أعلى من تلك التي تقرض على الاقتصاد الحقيقي. وقد بينت رسالة جمعية المصارف إلى وزير المالية علي حسن خليل والمنشورة في جريدة الأخبار (العدد ٣١٠٦، الجمعة ١٧ شباط ٢٠١٧) هذا الأمر بوضوح كامل. في هذا الإطار، يقول آلان غرينسبان الحاكم الأسبق للاحتياطي الفدرالي الأميركي (وهو بالمناسبة من أكثر المتطرفين رأسمالياً) "إن هدف النظام المالي هو تحويل الادخارات الشحيحة للمجتمع... الى أكثر الاستثمارات الحقيقية والفكرية إنتاجية". بالطبع، وللمرة الألف ربما، إن ذلك لا يتضمن الاستثمار الريعي الخالص في سندات الخزينة وشهادات الإيداع!
ثالثاً، إن إحدى مساوئ النظام الضريبي الحالي في لبنان، والذي يستميت الرأسماليون اللبنانيون في الدفاع عنه، أنه يكافئ المداخيل الريعية والثروة الخاملة، بحيث إما لا ضريبة عليها (الأرباح العقارية) أو متدنية (5% على الفوائد و15% على أرباح المصارف)، بينما يعاقب النشاطات الاقتصادية المنتجة (ضريبة أرباح شركات الأفراد حدها الأقصى 21%) ويعاقب العمل (الحد الأقصى للضرائب على الأجور 20%). فمثلاً، شركة منتجة وريادية في مجال التكنولوجيا العالية ذات قيمة مضافة عالية وتصديرية قد تدفع حوالى الـ 21% ضريبة دخل، بينما شخص ريعي يضع ثروته في المصرف أو سندات الدين الحكومية يدفع 5% ضريبة. وهذا ما يحفز توجه الرأسمال الى الريع بدلاً من "الاستثمارات الحقيقية والفكرية الأكثر إنتاجية"، كما قال غرينسبان. مثال آخر: فإن عالم كمبيوتر يعمل لدى هذه الشركة بأجر مرتفع قد ينتهي به الأمر الى دفع حوالي 20% ضريبة على دخله، بينما يدفع مصرف عمله الوحيد هو تحويل الودائع الى "تخزين" (hoards) واستثمارات أكثريتها في السندات على أنواعها 15% فقط. إذاً، نحن لسنا أمام نظام ضريبي غير عادل فقط، وإنما أيضاً نظام لا يؤمن الكفاءة الاقتصادية حتى بمعيارها الرأسمالي البحت.