يجسّد ما حصل في الباحة الداخلية لدار الفتوى في بيروت، أول من أمس، الواقع الحقيقي لمؤسسات الإسلام السياسي السني التقليدية، وخاصة تلك التي غالباً ما تكون محسوبة على «السلطة" أو «الأنظمة» الحاكمة. تدقيق على القشور وترك للجوهر.

لم تلتق مارين لوبَن، مرشحة اليمين المتطرف للانتخابات الرئاسية الفرنسية، مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان بعدما رفضت وضع الحجاب على رأسها.

قبل أن تغادر الدار، من دون أن تقابله، قالت للصحافيين: «التقيتُ شيخ الأزهر ولم أضع حجاباً». منطقياً، يحق للفرنسية أن تتساءل بينها وبين نفسها ما الذي تغير في بيروت عما كان عليه في القاهرة، وقبلها فى تونس والرباط، وإسطنبول... أليس من المفترض أن يكون شيخ الأزهر «أكثر تشدداً دينياً» من مفتي لبنان؟ ومع ذلك لم يفرض عليها الحجاب؟ أليسوا كلهم متشابهين في هذا المجال، ما الذي تغير الآن؟
ليس هناك من حكم شرعي صريح يفرض على لوبن أو غيرها من «السافرات» وضع غطاء على الرأس عند لقاء أي من رجال الدين. ما درجت عليه العادة في لقاءات «رجال الدين» لا يتعدى كونه عرفاً أو «لباقة»، وهو أمر مستبعد طبعاً وجوده في التكوين الثقافي للوبن. في الحقيقة، ليس هناك من مصطلح اسمه «رجال دين» في الإسلام. إن كانت لوبَن ترتدي أول من أمس لباساً مشابهاً لما كانت ترتديه في زياراتها في اليوم السابق للمسؤولين في البلد، فما الجدوى من منديل شفاف يغطي بعضاً من شعر الرأس، ويترك العنان للساقين؟
أما إن كان الموضوع بروتوكولياً، كما يؤكد البيان الرسمي الصادر عن دار الفتوى، فلوبن تكون قد خالفت العرف المعمول به في ذلك المكان، وهذا ليس بغريب عنها. المشكلة إذاً بحسب دار الفتوى بروتوكولية وليست دينية أو شرعية، للتوضيح.
هل سعت المرشحة الفرنسية إلى افتعال مشكلة؟ تؤكد دار الفتوى أنه تم إبلاغ أحد مساعديها مسبقاً «بضرورة تغطية الرأس عند لقاء المفتي كما هو البروتوكول المعتمد في دار الفتوى»، ومع ذلك تصرفت لوبن وكأن ذلك لم يحصل.
مسؤول الإعلام في دار الفتوى، خلدون قوّاص يوضح أنه حاول مراراً أن يشرح لمرشحة اليمين المتطرف أن «أي امرأة تريد الدخول إلى دار الفتوى، عليها أن ترتدي الخمار»، لافتاً إلى أن «الإيشارب هو بروتوكول خصوصي للنساء، وأسلوب معتمد».
الفارق كبير بين الخمار والإيشارب (المتعارف عليه بالحجاب)! وخاصة إن علمنا أن دريان رفض قبل مدة استقبال عدد من النسوة اللواتي سلّمن مطالبهنّ للقواص على درج الدار الخارجي، مع العلم بأنهن كنّ «مخمّرات». في المكان عينه.
من يعرف لوبن جيداً، يصعب أن يتصور بأن دهاءها السياسي دفعها لكي تقوم بما قامت به أمس. ومع ذلك فهو حدث ستستغله المرشحة الفرنسية لتحقيق مزيد من التأييد الشعبي في مشوارها نحو الإيليزيه. يا ليت كان هناك من فوّت عليها الخروج مبتسمة بهذا «النصر»، وأقام عليها الحجة وناقشها بعمق في مشاكل بلادها، قبل أن يطالبها بتطبيق الشريعة، وخاصة أن الأمر ظهر بأنه «بروتوكولي»... لا أكثر.
يروى أن رجلاً جاء ابن عمر يسأله عن دم البعوض على ثوبه. فقال ابن عمر: من أين أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله.