هل يوجد في العالم الآن، أو وجِد في التاريخ، قانون يُرضي الجميع؟ ما حكاية هذه «الفنعة» التي يُردّدها سياسيّو لبنان أخيراً! وأبعد مِنهم، صرنا نسمعها في الشارع، في المقهى والمنزل، في كلّ مكان إذ تكاد تصبح نشيداً. لا يوجد قانون انتخابي، ولا أيّ قانون آخر، يُرضي الجميع. هذه «مغالطة منطقيّة» سافرة. إن رضي جميع المعنيين فعندها نكون أمام اتفاقيّة، أو معاهدة، أو صفقة، ولكن ليس قانوناً.


يُمكن للسياسيين اليوم الحديث عن «صفقة انتخابيّة». هذه تُصبح مفهومة. أما القوانين فتوضع، أصلاً، لتطبّق على الذين لا يُرضيهم مضمونها. تخيّل أن يدور البحث عن «قانون عقوبات» يُرضي الجميع! كيف نُرضي القاتل والسارق والمزوّر والمغتصب؟ هكذا، إنّه «الحبّ المستحيل» بين المنطق والسياسة في هذه البلاد. يُخرَق المنطق في كلّ العالم، صحيح، بفوارق نسبيّة في الشكل، أمّا في بلادنا فتُمارَس هذه العادة على نحو مقرف. مستوى استحمار الناس يبلغ حدّاً لا يُطاق. كم يبدو مهيناً لنا أن لا يُكلّف السياسي نفسه عناء تجميل الكذب لإقناعنا! ما عادوا يحتاجون إلى فنّ الخداع. كأنّهم يقولون لنا: «هي كذلك، وأنتم مجرّد دواب، سنمرّرها يعني سنمرّرها». لكنّ حتّى راكب الدابة يتحايل عليها أحياناً لتخدمه. نحن في نظرهم شيء دون ذلك.
فلسفة الانتخابات، كلّ انتخابات، هي ليربح أحدهم ويخسر آخر. في العربيّة، انتخب الشيء أي انتقاه واختاره. وفي معنى آخر: انتخب حقّه أي «انتزعه». الربح والخسارة كثيراً أو قليلاً، هذه تحلّها «النسبيّة». تربح بنسبة أو تخسر بنسبة، طالما أنّك «شيء» موجود، هذه هي الديمقراطيّة، هذه هي اللعبة، إن كنت لا تريدها فلا تلعبها. لا تلبس ثوباً ليس لك. هنالك أنظمة حكم أخرى. كن مع «الديكتاتوريّة» مثلاً. لا بأس. ولكن كنها بوضوح. كن «ثيوقراطيّاً». كن مع «الشورى». ما المشكلة؟ أو طالب بـ»مجلس ملّي». كن ما شئت، ولكن هات مِن الآخر. نسمع أيضاً عن مطالب بقانون انتخابي «لا يُلغي أحداً». هرطقة أخرى! لا، الانتخابات تلغي أحداً. عادي. تلغي مَن يستحق أن يُلغى، كما يفعل قانون «الانتخاب الطبيعي» في «البيولوجيا». هكذا هي، خذها كما هي، أو طالب بتعديل دستوري وبتغيير نظام الحكم. المهم انسجم مع نفسك. هذه نتيجة «تبليعنا» كذبة «الديمقراطيّة التوافقيّة». الآن أصبحنا في منطقة أخرى. أبعد مِن أكثريّة تحكم وأقليّة تُعارض. تضخّم استهبال الناس إلى حدّ البحث عن قانون انتخابي لا يخسر معه أحد، سلفاً، قبل الوصول إلى نوعيّة الحكومة لاحقاً (حكومة وحدة وطنيّة وما شاكل).
بجولة على تصريحات السياسيين في لبنان، على مدى الأشهر الماضية، لن تجد أحدهم إلا ونطق عبارة «لقانون لا يُلغي أحداً». حسناً، بلا انتخابات مِن أصلها. جدّياً. لِمَ لا يذهب الجميع إلى خيار «التعيين». كلّ طائفة تعيّن نوابها. أساساً مَن يعتقد أن الطبقة الحاكمة اليوم ستتغيّر بعد الانتخابات، وفق أيّ قانون جرت، طالما أنّها تُجرى وفق «القيد الطائفي»؟ فعليّاً، لِمَ لا يتصالح الزعماء مع أنفسهم في هذه المسألة؟ يخجلون؟ طبعاً لا، تصوّر! هكذا نوفّر على الخزينة (ما سيُسَرق لاحقاً بكلّ الأحوال) تكاليف هائلة، فضلاً عن المال السياسي، مِن الداخل والخارج، حيث قيل إنّ التكلفة الإجمالية لآخر انتخابات نيابيّة بلغت نحو 3 مليارات دولار! هذا فضلاً عن توفير «طوشة» شعبيّة وتغطيات إعلاميّة ومهرجانات و»بونات بنزين» والكثير مِن «السندويشات» ومشاهد إذلال الناس. ما مِن زعيم، في أيّ طائفة، يخشى رد فعل شارعه في هذه المسألة. يكفي أن يقول لجماعته اتفقنا على «التعيين». سمعاً وطاعة. هكذا أقلّه تكون هذه البلاد منسجمة مع نفسها أكثر. مِن الواضح أن الديمقراطيّة ولعبة الانتخابات «مش زابطة» عندنا. فليكن قانون «أهل الحلّ والعَقد». إنّه في نهاية الأمر مِن تراثنا، وهو المعمول به واقعاً منذ إنشاء الكيان، مع بعض التعديلات الطفيفة يُصبح ممتازاً. نظام «أهل الحلّ والعَقد» عرفته العرب قديماً. إنّهم، بحسب كتب الموروث، الذين يُعتبرون مِن «وجوه الناس الذين يَرجع النّاس إليهم في الحاجات والمصالح العامّة». كذلك، بحسب الآداب السلطانيّة، الصفات المطلوبة في الواحد مِنهم هي «أن يكون مِن ذوي الشّوكة، الذين يتّبعهم الناس، ويصدرون عن رأيهم، ليحصل بهم مقصود الولاية».
قد تبدو الفكرة ساخرة، وهي كذلك، لكنّ أليست واقعيّة؟ نُريد أن نأكل العنب لا أن نقتل الناطور. لم يعد ثمّة نواطير فينا. وإلى أن تغضب شراذم «المجتمع المدني» لاحقاً، وتحصل ثورة أو فورة، فعندها لكلّ حادث حديث. كان محمد الماغوط يُردّد: «السخرية هي ذروة الألم». وقبله ألفرد أدلر أرجعها إلى «خليط مِن انفعالين، الغضب والاشمئزاز». كيف يُمكن لعاقل أن يُعلّق، إلا هكذا، على تصريح لنائب عن الأمّة اسمه أمين وهبي، يقول فيه: «ندعو لقانون انتخابي يُرضي الجميع ويتمتّع بالغموض الإيجابي»! انتهى البيان.