رغم أن نقاش الموازنة يبدو ظاهرياً في سياق عودة الأوضاع الى طبيعتها في مسار العمل الحكومي والمؤسساتي بعد انقطاع طويل، في مقابل تعويم النقاش القديم حول سلسلة الرتب والرواتب، إلا أن ثمة ملاحظات أساسية لا يمكن تجاهلها. وهي لا تصبّ في خانة الإيجابيات التي لا تزال القوى السياسية تغلّف بها مواقفها من العهد والحكومة معاً، وفي تصوير الفورة «المسيحية» بتحقيق إنجازات متقدمة في هذا السياق.


أولاً، في قانون الانتخاب. لا يمكن التغاضي عن واقعة أساسية وهي أن القوى المسيحية هي التي طالبت منذ سنوات بقانون انتخاب جديد. لكن التعثر الذي واجه هذه القوى في إقرار القانون يتعلق أولاً بوضعها تحديداً، وعدم اتفاقها على قانون موحد، قبل أن ترمي كرة التعطيل على القوى السياسية الأخرى. لكن هذا لا يعني أن هناك «ترحيباً» مطلقاً، في المقابل، بأن تكون القوى المسيحية صاحبة الكلمة الفصل في إقرار القانون. ويقول سياسي مواكب لمناقشة القانون إن المشكلة اليوم لا تتعلق بحيثيات القانون وتقسيماته ونظام الاقتراع، والنقاشات المستمرة لا تعني أن هناك تسليماً من القوى السياسية الأخرى، أي المستقبل والثنائية الشيعية، بعودة المسيحيين وزعاماتهم الحالية الى لعب دور أساسي في المسار العام والتركيبة الحالية للسلطة. فالمسيحيون فرضوا الى حد كبير خيارهم بانتخاب الرئيس «الأقوى تمثيلاً»، وتمكنوا أيضاً من فرض خياراتهم في تأليف الحكومة بشكل غير مسبوق.


لا تزال الحكومة تبحث في ملفات ورثتها عن حكومة سلام

ورغم الاختلافات مع القوى المسيحية الأخرى، إلا أن التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية تمكنا من صياغة عودة الدور المسيحي، بصرف النظر عن التباينات بينهما حول كثير من التفاصيل، وتحالف كل منهما مع كل من المستقبل وحزب الله.
لكن التوصل الى إقرار قانون انتخاب، من خلال دفع هذه الثنائية وبما تمثل حالياً من حضور شعبي ورغبة في تظهير ذلك في إدارة الحكم، لا يزال محل تساؤل. إذ إن أرجحية مسيحية في رئاسة الجمهورية والحكومة وقانون الانتخاب يمكن أن تشكل إزعاجاً لسلطة رسخت نفسها منذ سنوات طويلة وتمكنت من إدارة دفة الحكم من دون شريك مضارب. واستطراداً، لا يمكن أيَّ قوة سياسية متمكنة من حضورها لسنوات طويلة، أن تسلم بسهولة بعودة أفرقاء، كانوا خارج السلطة لسنوات، الى الحكم من خلال ترابط ثلاثي بين الرئاسة والحكومة ومجلس النواب، على الأقل قبل أن ينجلي غبار التسويات الإقليمية ومآلها. وهذا الأمر لا يتعلق بخيارات استراتيجية يتخذها رئيس الجمهورية أو تحالف إقليمي يبنيه هو أو القوات مع شركائهما المحليين، بل يعني مفهوم استعادة الحضور المسيحي بقوة في الحكم، وما يعني ذلك داخلياً من ترجمات تتعلق بأصغر التفاصيل. وخطورة ما يقوم به قطبا الثنائية المسيحية أنهما لا يزالان حتى الآن يدوران في حلقة مفرغة حول قانون الانتخاب، من دون التبصر ملياً في ارتدادات ما يحصل بينهما حوله على مشهد العهد والحكومة، والواقع المسيحي الذي يدّعيان أنهما أمّ الصبي فيه.
ثانياً، عجلة الحكم. يقول أكثر من وزير معني إن جلسة حكومية واحدة حتى الآن كانت منتجة بالمعنى الفعلي للكلمة. ما عدا ذلك، لا تزال عجلة الحكم تراوح مكانها. ورغم الاندفاعة الأولى للحكومة في إعطاء صورة إيجابية عن التشكيلة، ورغبة الأطراف السياسيين في إظهار الانسجام بين مكونات الحكومة الفتية وسحب أي ذريعة للخلاف، فإن ثمة حلقة مفقودة، تتعلق بغياب هذه القفزة النوعية التي كان يؤمل من حكومة الرئيس سعد الحريري القيام بها، وفي ظل وجود رئيس الجمهورية ميشال عون. فالتعثر المزدوج في أداء الحكومة والعهد، لا يمكن أن تغطيه جولات رئيس الجمهورية وإطلالاته الخارجية، على أهميتها، أو تحول رئاسة الحكومة إلى متفرج على ما يجري، بحجة أنها حكومة انتخابات فقط، أو بعض الوزراء الذين يحاولون في الوقت الضائع الذي يفصلهم عن الانتخابات النيابية وتأليف حكومة جديدة، تثبيت مواقعهم الشخصية أكثر من أداء الحكومة مجتمعة.
صحيح أن ثمة مشهداً حكومياً إيجابياً عاماً، وسعياً إلى تحقيق قفزات نوعية في بعض الوزارات. لكن عملياً، لا تزال البلاد تعيش منذ شهرين على وقع ملفات عالقة منذ حكومة الرئيس تمام سلام، أرجئ البحث فيها الى العهد الجديد. وليس تفصيلاً أن يبدأ انفجار الأزمات المعيشية والاجتماعية والاقتصادية التي لا تحصى، واحدة تلو الأخرى، بعدما انقضت فترة السماح للعهد والحكومة. حتى أزمة السير المستفحلة التي ذكرها عون نفسه أكثر من مرة مع زواره، تبدو كأنها خارج سيطرة وزارة الداخلية المشغولة فقط بالمهل القانونية لإجراء الانتخابات ومناقصة الميكانيك. وكذلك، فإنه لا اتفاق على ملف التعيينات، بحسب أحد الوزراء، لأن البحث لا يزال يراوح مكانه ولا يبدو أن الأقطاب السياسيين توافقوا على إدارة فاعلة وسريعة لإقفال هذا الملف المتشعب. وهذا ما يمكن أن ينسحب على صورة الحكومة التي وعد رئيسها بأن التعيينات ستكون جزءاً مهماً على طريق تفعيل أداء الحكومة.
وأهمية التعيينات، (كما قانون الانتخاب) على كل المستويات الدبلوماسية والإدارية والقضائية والأمنية، أنها ستكون الترجمة العملية لوعود قطعها رئيس الجمهورية في خطاب القسَم ورئيس الحكومة في بيان الثقة، وكلاهما حتى الآن، يبدوان كأنهما لا يزالان في مرحلة ما قبل الوصول الى بعبدا والسرايا الحكومية.