لم تنجح تل أبيب، ومن تذاكى في نقل مواقف المسؤولين الإسرائيليين، في تقديم ردّ مضاد ناجع على الرسائل الردعية للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. لم ينبع الفشل الإسرائيلي من نقص في القدرات العسكرية والتدميرية، ولا لأن صانع القرار في تل أبيب متردد في استخدامها... وإنما لأن أحد أهم عوامل قوة موقف حزب الله أن رسائل نصر الله ردعية، أي أنها تهدف إلى منع العدوّ من المبادرة إلى شن حرب ضد لبنان. وهو ما أقر به أيضاً رئيس أركان جيش العدو، غادي ايزنكوت، بأن حزب الله يهدف إلى تعزيز معادلة الردع للحفاظ على الوضع القائم.


نتيجة لذلك، باتت تهديدات وزير الاستخبارات يسرائيل كاتس بتدمير البنية التحتية في لبنان، وتباهي وزير الأمن أفيغدور ليبرمان بتدريبات لواء «غولاني»، غير ذات صلة. فإذا كان حزب الله لن يبادر إلى استهداف المنشآت الاستراتيجية الإسرائيلية إلا في سياق الرد على حرب إسرائيلية، وإذا كان الافتراض أن العدو لن يبادر، كما أوحت ردود المسؤولين الإسرائيليين، إلا رداً على استهداف المنشآت النووية والاستراتيجية في إسرائيل، فهذا يعني نتيجة واحدة: الأهداف الردعية لحزب الله تحققت بالكامل.
نتيجة لما ورد، أكد رد وزير الاستخبارات الإسرائيلية على رسائل السيد نصرالله غلبة الدعوة الى «الخيارات البديلة» من الحرب العسكرية المباشرة، وهو ما برز في تأكيده ضرورة «فرض عقوبات على حزب الله، تؤدي إلى شل نشاطاته، ووجوب ممارسة ضغوط على إيران للكف عن تمويل الحزب وتسليحه».
رفْعُ حزب الله مستوى التهديد بالرد، بما يتجاوز كل الخطوط الحمر المفترضة، فرضَ طوقاً على صانع القرار العدواني في تل أبيب. إذ أن التهديد يطال منشآت استراتيجية غير تقليدية. وفي هذا السياق، يحضر الاستدلال بمقولة إن الأسلحة النووية يتم التلويح بها، لكن لا يتم استخدامها، كما حصل في معادلة الردع النووي المتبادل بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة.
الجواب على هذه الإشكالية، وبكل بساطة، يندرج ضمن مصطلح «صحيح ولكن». صحيح، أن كل طرف سيحرص على عدم استخدام هذا النوع من الأسلحة. لكن ذلك مشروط بعدم استخدام الطرف المقابل لهذا السلاح. وفق هذا المفهوم فقط، تصح مقولة إن السلاح النووي هو للردع وليس للاستخدام. نتيجة ذلك، لا يمكن الافتراض أن يبادر أحد طرفي المعادلة الى استخدامه، ثم يتوقع من الطرف المقابل عدم استخدام ما بحوزته من وسائل وأدوات مشابهة.
المفهوم نفسه ينسحب على المعادلة التي أرساها حزب الله. بمعنى أن الهدف من وراء هذا التلويح هو ردع الطرف الاخر وليس استخدامه. لكن ذلك مشروط بعدم مبادرة العدو الى ما يراه حزب الله سبباً لتنفيذ تعهداته. وهكذا يكون العدو أمام خيارين: اما الامتناع عن هذا الخيار، وبذلك يكون تحقق الردع، وهو المطلوب؛ أو تجاهل هذه التهديدات، لسبب أو لآخر، وبادر الى شن حرب على لبنان، أو بادر الى خطوات تدحرجت نحو حرب واسعة وشاملة، وعندها يكون قد عرّض نفسه لتنفيذ هذه التهديدات.
قد يتوهم البعض فرضية أخرى: أن تبادر إسرائيل إلى شن حرب ضد لبنان لا يعقبها رد حزب الله وتنفيذ تهديداته. «امتناع» هكذا فرضية يعود إلى أنه لن يكون هناك ما يحول دون تنفيذ التهديدات، بعد الاستهداف الواسع (أو الضيق) للبنان وبنيته التحتية. وإلى ذلك، تضاف أيضاً حقيقتان مرتبطتان بتعهد الأمين العام لحزب الله: الأولى أنه لم يسبق أن التزم السيد نصر الله منذ توليه قيادة الصراع مع العدو قبل نحو 25 عاماً برد ما على اعتداءات محدَّدة، لم يبادر إلى تنفيذه إن تحققت أسبابه، كما حددها هو. الثانية، أن السيد نصر الله أثبت كفاءة استثنائية ــ يشهد له بها الأعداء قبل الأصدقاء ــ أنه لا يغامر بتعهدات علنية في مواجهة العدو، من دون أن يملك العزم التام والقدرة على تنفيذها. ليس لذلك علاقة وحسب بالصدقية، وإنما أيضاً، لكونه ينطوي على مفاعيل استراتيجية، تتصل بمعادلات الصراع مع العدو.

الخيارات الإسرائيلية

في ضوء المعادلة التي أرساها حزب الله، لم يعد في إمكان سرائيل تنفيذ اعتداءات واسعة ضد لبنان، إلا إذا اقترن ذلك بسلب حزب الله القدرة التي تُمكِّنه من تنفيذ الرد. وبما أن أداة تنفيذ الرد هي القدرات الصاروخية لحزب الله، يصبح من المؤكد أن العدو يعدّ لعملية «وزن نوعي». لكن من أهم شروط نجاح عملية من هذا النوع أن تكون مفاجئة لحزب الله، وأن لا تكون ضمن دائرة معلوماته أو تقديراته. لأنه في هذه الحالة سيتعامل بما يحبط هذا السيناريو، ولديه ــ في هذا المجال ــ قدرة مشهود له بها. وهو بالضبط ما كشفه السيد نصر الله عندما أعلن أن حزب الله يعلم بـ»أنكم تخططون لعملية وزن نوعي جديدة، إذا حصلت حرب ما، في يوم ما». أقل ما يمكن أن يترتب على سلب العدو عنصر المفاجأة، عدم ضمان تحقيق الأهداف التي يطمح إليها. خاصة أن لهذه المعرفة ما يترتب عليها من الناحية العملية: «أنتم مخطئون عندما تفترضون أن معلوماتكم كافية. دائماً لدينا ما نخفيه، هذا جزء من عقيدتنا القتالية واستراتيجيتنا العسكرية والأمنية، وستفاجأون بما نخفيه، وما نخفيه يمكن أن يغير مسار أي حرب ستكون حماقة لو أقدمتم عليها».
بين هذين الحدين، يبقى أمام العدو سيناريو المواجهة المحدودة. بمعنى أن يشن العدو (أو يدفع نحو) مواجهة، يلتزم فيها بما يُقدّر أنه لن يحشر حزب الله لتنفيذ تهديداته. وهذا السيناريو، أيضاً، يدفع في المقابل، لاستحضار الحسابات الخاطئة التي تقود تدحرجاً للمواجهة التي لا يريدها طرفاها في هذه المرحلة، خصوصاً أن حسابات حزب الله مبنية على أن الاعتداء الأول، بلا رد متناسب، يقود بطبيعة الحال، إلى الاعتداء الثاني والأوسع. وإذا كانت الإرادة هي ردع العدو عن الاعتداء الثاني، فالأجدى ردعه عن الاعتداء الأول.