بذكاء خارق، توصّل مكتب النائب وليد جنبلاط إلى أن منع بهيج أبو حمزة من السفر، بعد إخلاء سبيله أمس من دون كفالة، لا يدعو إلى القول بالبراءة، بل إن «منعه من السفر خارج الأراضي اللبنانية لضرورات التحقيق يدل على ثبوت الأدلة بحقه»، على ما جاء في بيان مكتب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي.


حسناً، وعلى هذه القاعدة، لماذا بقي بهيج أبو حمزة مسجوناً طوال 1165 ليلة في سجن/ مستشفى الحياة، ما دام كان بالإمكان محاكمته وهو في منزله ومنعه من السفر طوال السنوات الثلاث الماضية؟ علماً بأن أبو حمزة كان مع كلّ طلب إخلاء سبيل يتقدّم به، يطالب هو نفسه بمنعه من السفر، ومحاكمته كأي متّهم بقضيّة مالية وهو خارج السجن، بعد انقضاء مدّة التوقيف الاحتياطي.
بهيج أبو حمزة كان معتقلاً سياسياً، وليس معتقلاً سياسيّاً تقليديّاً، حتى من أولئك الذين يدفعون ثمن موقف أو رأي، بل لأن السياسة تدخّلت في القضاء في الدعاوى الـ17 المقامة ضدّه، والتي قرّرت الهيئة الاتهامية إخلاء سبيله أمس في آخرها، بعد أن زادت مدّة التوقيف الاحتياطي عن حدّها بشهر، ورَفْض القاضي فريد عجيب طلب إخلاء السبيل. ومعتقل سياسي، لأن عدداً كبيراً من القضاة لم يقدروا على أن يبيعوا ضمائرهم، فإمّا تنحّوا أو حكموا بالعدل، أو خضعوا للضغوط وسياسة العصا والجزرة من قبل جنبلاط معهم. أمّا لماذا خرج الآن من السجن؟ فهذا منطق الأمور القانوني في حالته، وهو انقضاء مدّة التوقيف الاحتياطي وفراغ جعبة محامي جنبلاط من دعاوى جديدة تبقيه أسيراً، وفراغ جعبة البيك نفسه من النفوذ على القضاء، بعد أن «انقلب الجوّ» في العدلية، وبات قضاة كثر يشعرون بأن لهم ظهراً يحميهم من تدخّلات البكوات والأزلام وساسة الأمر الواقع.
المفارقة أن أبو حمزة، الذي لم يزهُ أمس بنصره على الظلم، ولم يغترّ أو يشمت، لو قبل أن «يبصم» على ما اتهم به من تهم الاختلاس والسرقة والإفلاس الاحتيالي، لكان خرج من السجن قبل أشهر، مداناً بجرائم شائنة. وهو الآن أمضى مدّة في الحبس أطول من سقف العقوبة التي كان سينالها لو أدين، لكنّه خرج «ناصع الجبين مظلوماً، ولم يترك مجالاً لأحد كي يعيّر أولاده بأن أباكم حرامي»، حسب قوله لـ«الأخبار» أمس.
تَحَوُّل بهيج أبو حمزة، بين ليلة وضحاها، من لاعب أوّل في أروقة الزعامة الجنبلاطية إلى متهم ومجرم وسارق، هو عبرة... لمن يريد أن يعتبر، عن كيف تتبدّل الأحوال في قصور البكوات. وخروجه من السجن عبرةٌ أيضاً، وللبحث صلة.