في مثل هذا اليوم، صعد جوزف إلى غرفة النوم في الطبقة الأولى. كان متعباً وحزيناً يحاول دون جدوى أن يواسي صديقه حازم صاغية بعد رحيل زوجته، العزيزة مي غصوب، التي فقدناها في عزّ مسيرتها مع النقد والفن والموسيقى وصناعة النشر.

كانت مي قد أوصت بأن يحرق جسدها بعد موتها ليتحول الى رماد. وطلبت أن يحدث ذلك على أنغام كوكب الشرق خلال مراسم رحيلها. ألف ليلة وليلة طغى عليها الحزن في العاصمة الرمادية، لكن جوزف سبق الموسيقى وهرب الى مثواه الأخير قبل أن يدخل صوت أم كلثوم الى خشبة مسرح الجنازة.

ربما كان يوم خميس، وكانت القاهرة تتشوق لسكرة طرب أسبوعية غاب عنها جوزف من دون عذر مقبول.
شعر بالتعب بعد وصوله الى باب الغرفة. جلس على طرف السرير وأشعل سيجارة. تصاعد دخان أزرق فلامس سقف الغرفة. لم يتردد جوزف في نسف براءة الأسف على موت مي، فحكم عليه وحده بالتسبب بآلام حادة وسعال طويل وضيق نفس. تمدد في السرير، أغمض عينيه وتركنا.
كانت رحلته الأخيرة الى لندن. عاد منها في علبة خشبية اشتريناها من معرض لطقوس الموتى. طرح علينا مدير صالة العرض يومها أسئلة غريبة، أذكر منها: هل تريدون نافذة زجاجية لمشاهدة وجه الفقيد لآخر مرة قبل الدفن؟ لم نفهم السؤال. نافذة زجاجية في بيت جوزف الخشبي الجديد لنراه من دون أن يرانا؟ لنتأكد أنه مات فعلاً ونصدّق؟
جوزف سماحة لا يحب الصور ولا يحب أن يكون هو المشهد، وكان موته مناسبة لافتضاح احتيال المصورين. وقررت «الأخبار» مواجهة صورة عملاقة لابتسامته في أول كوريدور المكاتب بمثيلتها في آخره. وفي ساعات الصباح الأولى عندما يعود الزملاء الى بيوتهم يبقى جوزف يتفقد نفسه إلى الأبد في الكوريدور.
هل نختار العلبة الخشبية مع النافذة، نضعه فيها لننقله الى بيروت، ثم نحجب وجهه بصفحات الجريدة؟ ألا تستخدم الجرائد بديلاً موقّتاً للستائر عند الانتقال الى شقة جديدة؟ هل كان جوزف قد اختار حجم جريدته الجديدة ليتلاءم مع حجم النافذة الزجاجية في العلبة الخشبية التي ربما شعر بأنه سينتقل إليها يوماً؟
يقترب المحبون من النعش، يقرأون العناوين بالخط الأحمر... جريدة تنزف حبراً على وجه فقيدنا في بيته الخشبي الجديد.
كالمتعطش لشفاه عشيقته، نفخ جوزف كل من اختارهم للانضمام إلى الجريدة، نفخهم في فمها لتحيا ... بفضل التنفس الاصطناعي. لكن بدلاً من أن تعود الحياة إليها تحولت الى كائن آخر.
زُيّن نعشه في صالون الكنيسة بالورود الحمراء. وأثناء تقبل العزاء صدرت «الأخبار»، فانتظرت مع باقي الأحبة في طابور المعزين لتصافح الأيتام وتعرض عليهم التبني.
هكذا أصبحنا صحافيين تبنّتهم جريدة يديرها رئيس تحرير بات مجرد صورة في الكوريدور.
بعد مرور عشر سنوات على استمرار «الأخبار»، رحلت «السفير». ودفنت عارية، من دون علبة خشبية وبلا جنازة وبخور وورود حمراء. ولم يسعَ أحد الى النفخ في فمهما ليستمر طلال سلمان عشيقاً للصحافة اللبنانية. لا بل حمّله بعضهم مسؤولية موت «السفير»، غير مكترث لعمق الألم وحجم المصيبة.
قد لا تشبه الأعباء التي خنقت «السفير» أعباء خنقت بدورها جوزف، لكن النتيجة جاءت متوازنة. وتوزعت الأدوار بين «السفير» و«الأخبار». أبت الأولى أن تستمر بعد رحيله، ولو قاومت عشر سنوات، فيما أصرت الثانية على ذلك. أهو الفرق بين العشيقة والوليدة؟ عشر سنوات من الألم والوحدة والتخبط، حاول بعضهم التغزل بها من دون جدوى. رحل الحبيب وأخذ معه كل ليالي «السفير»، وكل فناجين القهوة وكل الأوراق والأقلام. ثمة سؤال محيّر: هل يزيد موت العشيق بعد مرور عشر سنوات على فراقه من آلام العاشق ويقتله؟ ماتت عشيقة جوزف اليسارية والقومية بعد موته، أما وليدة زواجه مع النهج الكربلائي المقاوم فاختارت حب الحياة. وفي كل يوم، في كل عدد من أعداد «الأخبار»، تتفتح أزهار المقاومة الإسلامية في بستان يساري قومي عربي، وشيوعي أحياناً.
بعد مرور عشر سنوات على موت جوزف، انضمت إليه «السفير»، فعاد عن استقالته رئيساً لتحريرها. أما «الأخبار» وأبو أحمد فحيان يرزقان، وبالتالي يمكن تحميلهما ما لا يُحتمل.
أفضل ما في الأموات صمتهم. يمكنك أن تكتب وتقول وتتخيل أي شيء بحقهم، من دون أن تنتظر جواباً. أما الأحياء فيحوّلون خيالك أحياناً الى إثم كبير. إبراهيم الأمين لديه فلسفة خاصة جدّاً (!) في قيادة الجريدة. فهو لا يتقن فنون «رئاسة التحرير» التقليديّة، وأعتقد أنه يعاني أعباء الإدارة اليومية. بات يهرب من النوم ربما لأنه يخشى فجراً موعد توزيع الصحف. فكيف يبدأ النهار وما اتفقنا عليه ما زال في جيب رجل ينام الى الأبد في علبة خشبية؟ يبدو كمن انتظر طوال الليل عودة ابنته من السهرة. وعندما لم تعد، استسلم للنوم مؤجلاً القلق الى العدد التالي. ربما تعود غداً أو بعد غد أو بعد ذلك.
اجتماعات مجلس التحرير يرأسها الـ«رفيق» إبراهيم وهي أشبه بجَمعة أصدقاء، أو في بعض الأحيان اجتماعات اللجنة التحضيرية لتنظيم مهرجانات الحركة الوطنية والأحزاب اليسارية في الثمانينيات. وكأن شيئاً لم يتغير: سجائر أميركية وشاي أسود ونكات ومزاح وخبريات مسلية، وقليل من البحث الجدي في مضمون الجريدة وأحوالها.
إبراهيم ما زال ضيفاً في المكتب الكبير الذي انتقل إليه بعد عبور عدد من المديرين الذين لم يذهبوا بعيداً في إدارة شؤون الجريدة. لكنه، في الوقت نفسه، تسلل الى مكاتب الصحافيين الصغيرة ليكرس نفسه الصحافي الأول في «الأخبار».
بعد عشر سنوات على رحيل جوزف سماحة، تحوّل مكتب رئيس التحرير في مبنى «الكونكورد» الى ما يشبه محطة للبث الإلكتروني. أما التقارير والأبحاث والوثائق التي كانت صباح تجمعها لمطالعات جوزف اليومية فانتحرت رامية نفسها من الطبقة السادسة.
بعد مرور عشر سنوات، أذكر ما كان يكرره أحد أبرز القياديين الأمنيين في لبنان عن أيام «الأخبار» المعدودة. أذكر إصراره على أننا نرتكب خطأ في القياس والتقدير. كما أذكر رهانات أمراء الحرب السابقين على فشلنا.
لكنّنا ما زلنا هنا. وما زال الحلم. وفي ذكرى عشر سنوات على رحيل رئيس التحرير، «الأخبار» في طليعة الصحف اللبنانية. ورغم كل الإخفاقات والمشاكل والصعوبات، تبقى «الأخبار» وريثة جوزف التي تنتمي سياسياً إلى «معسكر رافضي الهيمنة، وهو معسكر يمتدّ من قلب الولايات المتحدة الأميركية إلى أقاصي الشرق وأفريقيا وأميركا الجنوبية وأوروبا»، وتنتمي مهنياً إلى «معسكر الحرص على التعددية والديموقراطية والموضوعية والحداثة والثقافة الإبداعية».