ياسين الحافظ والياس مرقص


بداية تأثرت كثيرا بالتيار الناصري، وما زلت حتى اليوم. ولكني عرفت فترة فراغ بين عامي 1968 و1969 بسبب الهزيمة العربية في حرب حزيران. كنا جميعنا تحت الصدمة، وهي حقبة أفضّل نسيانها.
كنت شاباً في العشرينات، وبدءاً من عام 1969، إتصلت بتيار فكري لم يؤثر كثيراً للأسف في صفوف اليسار العربي، وهو تيار ياسين الحافظ والياس مرقص. حاول هذان المفكران بلورة قراءة ماركسية لعبد الناصر او لنقل قراءة متمركسة للقومية العربية. وكان هذا الجهد يندرج في نقاش اوسع جار وقتها مع ثلاثة تيارات كبيرة.

أولا تيار الأحزاب الشيوعية التقليدية في العالم العربي المؤيدين للسوفيات، ثانياً مع البعث، وثالثاً مع مجموعات اليسار الراديكالي أو اليسار الجديد خصوصاً تلك التي كانت تعتمد على المقاومة الفلسطينية إثر التغييرات التي حصلت في حركة القوميين العرب من تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديموقراطية ولكن أيضاً منظمة العمل الشيوعي في لبنان.
ياسين حافظ والياس مرقص كانا مفكرين سوريين. هما أكثر من أثّر فيي ولعبا دوراً في تكويني. حولهما، تشكلت مجموعات صغيرة في لبنان والعراق وسوريا صارت حزب العمال العربي الثوري. ولكنه للأسف لم ينجح في التوسع. كنت في هذا الجو حتى عام 1972. وكانت البيئة مؤاتية: كنا شباباً، ولبنان كان في غليان، حركة عمالية حركة فلاحية حركة طلابية. التحركات كانت مستمرة في الجامعات، كانت حقبة اليسار الجديد.


كعادتي

عام 1972 إنتسبت الى منظمة العمل الشيوعي في لبنان التي كانت، لنقل، على تقاطع بين تشكيلات اليسار الراديكالي وبين القومية العربية. وشاركت في قيادة هذه المنظمة كعضو في مكتبها السياسي حتى عام 1980. وكعادتي كنت في منظمة العمل الشيوعي وكنت احافظ على موقف نقدي: كان لدي إنتقادات على الاستراتيجية والتكتيك وعلى آليات القيادة. وعدة مرات هددتني القيادة بطردي حتى تحقق ذلك عام 1980 عندما طردت بالفعل وجعلوني أترك التنظيم، تحديداً بعد سلسلة من المقالات حيث إنتقدت ليس فقط المنظمة، بل أيضاً وليد جنبلاط والاستراتيجية العامة للحركة الوطنية. كنت ما زلت أشعر انني يساري، ولكني حاولت أن أبلور مقاربة نقدية لممارسة اليسار اللبناني.


الجماهير العربية
قالت إنها تريد سياسة تشكل جواباً على الهيمنة الأميركية

بعد هذه الفترة، إقترح ذات مرة وليد جنبلاط أن نصيغ برنامجاً لحزب إشتراكي يساري، حزب مغاير عن الحزب التقدمي الإشتراكي، حزب يكون شيئاً أوسع، ولكن هذه التجربة منيت بالفشل.
إلا أن خلافاتي السياسية مع هؤلاء أو مع الآخرين لم تفسد يوماً العلاقات الخاصة. وهكذا بقيت أعمل مع فواز طرابلسي وأتناقش مع وليد جنبلاط


والدتي

ثم حصل الإجتياح الإسرائيلي لعام 1982 وبقيت بعده خلال سنتين في بيروت قبل أن أغادر البلد متوجهاً إلى فرنسا. إقامتي هناك كانت تجربة عميقة إن على المستوى الفكري أو السياسي. أسست مع آخرين أسبوعية كانت بمعنى قريبة من منظمة التحرير الفلسطينية وقد أسميناها «اليوم السابع». كانت حقبة أواسط الثمانينات صعبة: من جهة الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان ومن جهة حرب المخيمات. وفي الواقع كانت لهجة المجلة عالية إزاء السياسة السورية في لبنان، ولذلك لم أكن قادراً على العودة إلى بيروت فبقيت 11 سنة في باريس، ولم أعد إلا عام 1995. خلال هذه الفترة، سمح لي السوريون بالعودة مرة واحدة ولفترة وجيزة جداً لزيارة والدتي التي كانت مريضة. فقط ذلك.


بواسطة الصحافة

إذا إستطعت أن أعود وأمكث عام 1995 بعد مغادرة باريس، فهذا كان يعني أنه لم يعد للسوريين من «فيتو» على شخصي. كنا دخلنا في مرحلة جديدة: إتفاقية أوسلو. كنت نقدياً جداً إزاء الإتفاقية، وهذا الواقع سهّل التبديل. من ناحيتي، كنت قد كتبت عدة مقالات نقدية حول إتفاقية أوسلو وحول الحريرية وحول إعادة الإعمار التي تلت الطائف، وكانت لدي مواقف نقدية ثابتة إزاء هذه المواضيع.
لم أعد عضواً في أي حزب سياسي، والموقف الذي إعتمدته هو موقف رجل يساري مستقل يحاول بواسطة الصحافة والإفتتاحية والموقف العلني أن يبلور أفكاراً ودروباً هي في رأيي يسارية، وفي الوقت ذاته وطيدة الإرتباط بالقضية الوطنية. والمقصود بالقضية الوطنية شيء أكبر من مجرد الموقف اليساري، والمقصود أن على اليسار أن يعتبر أن الأولوية في هذه المنطقة تدور حول التدخل الخارجي وضرورة التصدي له. لذلك، كلما يغادر اليسار ساحة المعركة هذه، يتخلى عن المسألة الوطنية وآخرون – تحديداً الإسلاميون ــــ يحتلون هذا الملعب وسيزداد نفوذهم.


الإتجاه الصحيح

لنأخذ تنظيمين إسلاميين أصبحا على مرور السنين رمزيين، ليس فقط للإسلام السياسي بل أيضاً لمقاومة إسرائيل. كرجل يساري متمسك بالقضية الوطنية أرى أنهما سياسياً في الإتجاه الصحيح للتاريخ... حزب الله أكثر من حماس، ولكن لنقل كلاهما... هما في الإتجاه الصحيح للتاريخ... نستطيع أن نخالف إيديولوجيتهما الدينية، نستطيع أن ننتقد بعض الجوانب في إستراتيجيتهما او تكتيكهما أو الشعارات التي يرفعانها. ولكن إذا نظرنا بصدق للواقع، للمرحلة التي نعيشها، إذا قمنا بجردة لواقع العالم العربي، نجد أن للعرب اليوم طلباً عميقاً لوجود تيار وطني او قومي.
بعد هزيمة التيار القومي العربي، كنا كثيرين من الذين إعتقدوا في لحظة ما ان اليسار قادر على ملء هذا الفراغ. ولكنه لم يقم بهذه المهمة. والإسلاميون ملأوا هذا الفراغ تدريجاً بعد التغييرات التي عرفوها في التسعينات، وذلك في ظرف عرف تغييرات كبيرة مثل نهاية الإتحاد السوفياتي ونهاية حرب أفغانستان وسياسة أميركية ظافرة. وورث الإسلاميون احياناً كوادر قديمة متأتية من اليسار أو من الحركة القومية العربية.
أحياناً أفكر مثلاً بمنير شفيق وأتساءل: هل يتابع سياسة «تسلل» ام هو مقتنع بما يقوله؟ للحقيقة لا فرق لانه نجح مع آخرين في تأمين استمرارية. يبدو لي أن في فلسطين مع كل التغييرات التي عرفتها حماس في التسعينات وفي لبنان مع حزب الله، أن هذا التيار ــــ التيار الاسلامي ــــ هو الذي استعاد خطاب التحرر الوطني، الخطاب الوحيد القادر على تحريك الجماهير العربية.
حتى هذه اللحظة، لم ينجح أي تيار سياسي آخر بالقيام بذلك، لا اليسار ولا الديموقراطيون ولا الليبراليون للأسف. وقد توفر للإسلاميين في لبنان وفلسطين إطار ديموقراطي إلى حد، وقد عرفوا التفاوض مع قوى سياسية أخرى. وأعتقد أن ذلك أفادهم وساهم في تطوراتهم اللاحقة. والديموقراطية وجدت لتستفيد منها هذه الإتجاهات. فكلما توفرت فرصة للجماهير العربية ــــ من عبد الناصر وصولا إلى طاغية مثل صدام حسين ــــ قال العرب، قالت الجماهير العربية، ما الذي تريد حقيقة. إنها تريد سياسة تشكل جواباً على التهديدات التي تشعر بها، جواباً على الهيمنة الأميركية وعلى نتائج هذه السياسة التي تزداد توسعا كل يوم.


المادة الأولية

في فلسطين مثلا، عندما فازت حماس بالإنتخابات التشريعية في فلسطين في كانون الثاني/ يناير 2006 ، كانت لدي مشاعر متناقضة.
شعرت بشيء من الخوف ولكن في العمق كنت راضياً عن فوز حماس. يكفي تأمل ما فعلته قيادة فتح مع محمود عباس من الحركة الوطنية ومن فتح ومن السلطة الوطنية الفلسطينية. تاريخياً، هي كارثة. من منظار القضية الوطنية، ما حدث هو تاريخي، أن تنجح حماس في التغلب على فتح، وأن تحمل خطاباً قومياً ضد تخلّيات السلطة.
في لبنان، الوضع مختلف: تمّت إزالة مجمل الخطاب اليساري نتيجة هيمنة حزب الله. ولكن حزب الله نجح أيضاً تاريخياً على الإنفتاح وعلى إستيعاب أفكار آتية من تيارات أخرى. إنها نقطة قوته الأولى. أعرف جيداً حزب الله، أعرف قياداته وكوادره وكلما أتناقش معهم أشعر أنني مع قوميين حقيقيين. وهذه مفارقة، كلما أقارن مع الماضي أصارح نفسي أحياناً وأعتبر أن المادة الأولية المكونة لهذه الحركة، المادة الأولية لهذه الكوادر ولهذه القيادة كان من الممكن أن تكون في حقبة أخرى المادة الأولية لحركة وطنية وتقدمية كبيرة.
وعليك أن تنظر أيضاً للتشققات داخل الحركة الإسلامية. الأخوان المسلمون في الكويت لا يمتون بصلة لإخوان العراق، أو اخوان مصر، أو السودان، أو الجزائر. لا يوجد اليوم إسلام سياسي واحد. إلا أن الإسلام السياسي الذي يهمني هو الذي يحمل الرسالة القومية التي حملها من قبل القوميون العرب واليسار. في العمق، هي القومية العربية التي يعبّرعنها بواسطة إيديولوجيا غالبة، وقد صارت مهيمنة، وهي الإسلام. عليك أن تنظر إلى التناقضات: قد تحمل خطاباً متخلفاً ومن الممكن إعتباره حتى رجعياً. ولكنها في العمق حاملة مضمون تقدمي. إنه مضمون يذهب في إتجاه لا أستطيع أن اشجبه.


هم مزدوج

بعد أن قلت ذلك أضيف لك أنني لا أحبّ التسويات العقائدية. إفهمني جيدا: أعتبر أن بعض التيارات السياسية الإسلامية تحمل خطاب التحرر الوطني، وهذا شيء. ولكن في الوقت ذاته لا أعتقد أنه من الممكن صنع او إعداد خلطة تجمع بين القومية العربية واليسار والاسلام السياسي. أنا لا أحبّ التسويات العقائدية. كشخص، أستطيع ان اكون قومياً عربياً يسارياً وأن أعلق على حزب سياسي مثل حماس، وفي هذه الحالة عما أراه إيجابيا او سلبيا في تجربته. ولكني لا اصل الى حد تبجيل خلطة عقائدية لن تؤدي إلى أي مكان.

ما زلنا بعيدين
وبعيدين جداً من ان نحقق ولو ثورة صغيرة في الفكر الإسلامي


همّي مزدوج: عربي ومعاد للإمبريالية. وفي هذا الإطار، لدي دائماً مخاوف من المرجعية الإسلامية المحض التي لا تؤدي إلى أي مكان. ماذا يعني التضامن الإسلامي؟ خذ حقبة عبدالناصر مثلاً: مقياس التحالف كان معاداة الإمبريالية، لا ثقافي ولا ديني. كنّا مع الهند ضد باكستان، كنّا مع اليونان ضد تركيا. ببساطة لأن باكستان وتركيا كانتا في المعسكر الإمبريالي. إنها مسألة مقاربة: إن كانت مقاربتك نحن العرب ما هي مصالحنا الوطنية، هذا يقودك إلى مكان ما. أما إذا كانت مقاربتك نحن المسلمين فهذا قد يوصلك إلى مكان مختلف تماماً.
تحالفت عدة دول عربية مع الإتحاد السوفياتي كـ»عرب» بغض النظر عن طبيعة المجتمع الذي كان سائداً فيه. فهو كان حليفاً، كان حليف العرب في ميزان قوى دولي ما. ولا أفهم هؤلاء العرب الذين ذهبوا ليحاربوا ضد السوفيات في أفغانستان. لا شأن لهم هناك. الشيخ عبدالله عزام كان على خطوتين من إسرائيل وذهب إلى باكستان وأفغانستان. ربما لم يكن يريد أن يغضب ملك الأردن لا أدري. ما أدريه أن هناك فرقا في أن تقول أؤيد الأحزاب الإسلامية التي تحمل القضية الوطنية العربية أو في أن تقول أؤيد الأحزاب الإسلامية لأنهم مسلمون.


تجنب الاسلام

أنا أقارب الأشياء بشكل براغماتي جداً وواقعي. في الواقع الحاضر، أرى أننا في حقبة تاريخية حيث الإسلام مهيمن، وسيهيمن على الحياة السياسية والثقافية. هذا واقع، وسيستمر سنوات وسنوات. ما زال الإسلام السياسي في فترة صعود، وما زلنا ربما في بداية هذا الصعود. كان ياسين الحافظ يقول: « لن تستطيعوا تجنب الإسلام، لن يتمكن العرب يوماً من تجنب الإسلام». كان على حق قبل غيره.


الأزمة للجميع

لا أؤمن بإمكانية ثورة ثقافية عميقة في الإسلام لأني ببساطة لا أؤمن بثورة ثقافية عميقة في أي من الإتجاهات السياسية في العالم العربي. الأزمة الثقافية تطال الجميع. كمثقف أنا متشائم، وكل شيء إلى إنحطاط، وهذا ينطبق أيضاً على الإسلام السياسي. بصدق، أعتقد أن جمال الدين الأفغاني كان أفضل بكثير من محمد عبدو. وأن محمد عبدو كان أفضل بكثير من رشيد رضا ومن حسن البنا اللذين كانا أفضل من سيد قطب. وفي نهاية المشوار، نصل إلى أيمن الظواهري والزرقاوي (ضحك). إنها الأزمة، نعيش العد العكسي. إلا أن الأزمة التي يعيشها الإسلام ليست إلا وجها من أزمة الفكر على صعيد أعم. إنها الأزمة للجميع، ليس فقط للإسلاميين. إنها إذا شئت أزمة بنيوية. على سبيل المثال، الليبراليون العرب اليوم ليس لهم شغل مع ليبراليي مصر الأمس. بالنسبة للتيار الليبرالي، الإنحدار هو من طه حسين إلى أيمن نور، كما هو عند الإسلاميين من الأفغاني إلى الظواهري. والشيء نفسه ينطبق على اليسار أو القوميين العرب. الأزمة الثقافية عميقة في هذه التيارات.
لا أريد أن أوحي بأن كل شيء سوداوي، هناك أشياء تحدث في بعض أوساط الأخوان المسلمين، وقد عملوا على تطوير انفسهم. داخل حزب الله هذا العمل قائم بالتاكيد. في الفكر الشيعي الأوسع، هناك كتابات لمحمد حسين فضل الله مثيرة للإهتمام. هناك ربما في الحلقة المقربة للاخوان المسلمين شخصية مثل الشيخ يوسف القرضاوي. خذ القرضاوي، هناك نظرتان ممكنتان حوله، تستطيع أن ترى فيه شخصاً أصولياً متخلفاً عن جد وتستطيع أن ترى فيه شخصاً متقدماً لأنه يقف أمام البعض الآخر بسنوات ضوئية.
وتحركت الأشياء عند الاخوان المسلمين في سورية وهناك حداثة ما في وثائقهم الأخيرة. ربما في تونس يقوم الشيخ غنوشي بشيء يستحق الإهتمام إن من حيث التجدد الثقافي ام من حيث العلاقات مع العلمانيين. في كل الأحوال، راشد غنوشي كان بعثياً، يعرف سورية، يتحسس القضية العربية ونظرته ليست ضيقة. ما يحاول القيام به منير شفيق يستحق الإهتمام. فهمي هويدي أيضاً. ولكنها محاولات تبقى مشتتة.
ما زلنا بعيدين وبعيدين جداً من ان نحقق ولو ثورة صغيرة في الفكر الإسلامي، أن نستطيع أن نحدث أو أن نفتح ولو كوة بإتجاه الحداثة. المنطقة في غاية التشنج. ولا أدري إن كنّا سننجح بإجراء هذه الثورة الثقافية الضرورية من داخل الإسلام إذا بقيت الظروف كما هي الآن. السبب؟ لا توجد طبقة سياسية تحمل مشروعاً تاريخياً. وأنا بهذا المعنى أبقى ماركسياً. قرأت وثائق عن دمقرطة العالم العربي، عن الأميركان الذين يراهنون على القطاع الخاص. كل هذا رديء. هناك خيانة كبيرة من البرجوازية العربية التي ليس لديها أي دور لتلعبه الآن. إنها حليفة الأنظمة العربية من دون شروط، دائماً أبداً أينما كان.


ناصري على طريقتي

إن أردت أن تصنفني، أنا ناصري على طريقتي الخاصة وأيضاً يساري. كتبت عدة مقالات حول نظرتي لتجربة عبد الناصر وقلت دائماً أنه الوحيد برأيي بسبب براغماتيته وتجربته الذي إستطاع طرح الأسئلة الحقيقية، على الأقل بين التيارات الفكرية في العالم العربي ــــ الإسلاميين، الليبراليين، الماركسيين والقوميين وخصوصاً البعثيين ــــ. الناصرية ليست بالضرورة فكراً كالبعث أو الماركسية، ولكنها تجربة عملية، وحتى تجربة عاطفية. وقد غيّرت بعمق العالم العربي آنذاك بما فيه نظرة العرب لأنفسهم إزاء الغرب. أجوبة الناصرية متفاوتة، وقد رأينا إلى ما آلت إليه. إن كنا نناقش في إطار التيارات الكبيرة في تاريخ العالم العربي المعاصر، إنه التيار الذي إقترب مما يجب القيام به، على صعيد الإستقلال وعلى صعيد المضمون الإجتماعي. عندما أقول انني ناصري، إنها أيضاً وسيلة لأقول إنني لست بعثياً. العجز عن التمييز بين ما قدمه عبد الناصر وما قدمه البعث يدل عن عجز فهم ما مثلثه تجربة عبد الناصر في العالم العربي. وبهذا المعنى أكرر: بلى أنا ناصري.


... ويساري على طريقته

كيف، إنطلاقاً من الإسئلة التي طُرحت أيام عبد الناصر، نستطيع أن نفكر بالقضايا المعاصرة المطروحة علينا؟ هذا هم السؤال بالنسبة لي. ويضم سؤالين: أولاً، سؤال كبير: ماذا تعني اليوم حركة تحرر وطني واسعة في العالم العربي؟ وهناك سؤال ثان: ما هو المضمون الإجتماعي لهكذا حركة تحرر عربية؟ عند عبد الناصر، الجواب كان إشتراكياً إلى حد ما. أما اليوم فما هو المضمون الإجتماعي الذي على حركة التحرر أن تحمله؟
عبدالناصر كان حصيلة ثلاثة معطيات، تأميم القناة وأسلحة تشيكوسلوفاكيا وسدّ أسوان. والتجربة كانت متاحة أيضاً بسبب إنتظام عالمي ما، بسبب ميزان قوى مختلف عن القائم حالياً. اليوم فكرة دور مهم للدولة في الإقتصاد، فكرة نمو حريص على مصالح الطبقات الشعبية، كل هذه الإعتبارات صارت خارج تصويب الجميع، من الإسلاميين إلى الليبراليين مروراً بالديمقراطيين.
حتى اليسار العربي، صار يتكلم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكن إشكالية التنمية أو مسألة الدولة خرجتا من تصويبه. كل هذه التيارات أياً كانت صارت تندرج بمكان ما في الإعتراف بعالم وحيد القطب ومتجانس وبعولمة صيغت إقتصادياً بمضمون ليبرالي. مما يتكون المضمون الإجتماعي لحركة تحرر وطني عربية اليوم؟ لا أدري لأن ميزان القوى جداً منحط.

الإنجراف الثقافي

ليس من الصدفة أن ننجرف اليوم نحو المضمون الثقافي. عندما أتكلم عن العرب، أود الحديث عنهم بعبارات سياسية، أو كمجموعة سياسية. إلا انهم اليوم مجرد دمغة ثقافية إسوة بالإسلام... وذلك لأن كافة التيارات السياسية في العالم العربي عاجزة عن إعطاء مضمون سياسي أو إقتصادي او اجتماعي لبرنامجها. وبالتالي، نحن نعيش اليوم فترة إنكفاء بما يخص الهوية إن كعرب أو كمسلمين. نقول نحن عرب أو نحن مسلمون، ولكننا لا نقول ذلك بمعنى سياسي او استراتيجي او إقتصادي، نقوله فقط بالمعنى الثقافي. في العالم العربي اليوم، من تونس إلى لبنان، لا شيء يجمعنا إلا الثقافة. بالفعل نفس الكتّاب، نفس الأفلام، نفس الحساسيات الثقافية مع الوسائل الإعلامية الجديدة وخصوصاً التلفزيونات. ولكن الموضوع يتوقف عند هذا الحد، إذ إشكاليات الثقافة والهوية والدين هي التي تتقدم اليوم...