إنه عالم مجنون. يركض، يلهث، يتحوّل كل يوم. لم تعد الكرة الأرضية تدور بسرعتها الطبيعية. انفلتت من عقال كان يكبحها. والزمن، حتى الزمن، صار أقصر، تغيرت وتيرته. وبعد أن كانت العقود، ان لم تكن القرون، هي الوحدة المقياسية للتحولات الاجتماعية الكبرى، يبدو اليوم، أن الأسابيع، لا بل الأيام، هي وحدة القياس الجديدة.


ولا يفعل الإعلام سوى أن يعطي طابعاً تدويخياً للأحداث المتدافعة. لقد تحوّل العالم، بالفعل، الى قرية. كل ما يحصل في مكان يحصل في كل مكان. لذلك يزوغ البصر والبصيرة، ويشعر المرء أنه إذا أمضى يوماً واحداً من دون قراءة صحيفة (أو أكثر) ومتابعة النشرات الإخبارية أولاً بأول فإن القطار فاته وارتسم أمامه كون جديد يفترض جهداً جديداً لفهمه.
ويل للكسالى، خاصة بين الزملاء الصحافيين. ويل لمن يشرد برهة أو يؤجل عمل اليوم الى الغد. حتى الإجازة بات من المستحسن قضاؤها حيث تدور الأحداث. ولكن المشكلة هي كيف يمكن لأحدنا أن يكون في بكين وطهران معاً، وفي وارسو وموسكو في اليوم نفسه، بعد أن يكون مرّ على بروكسل وزار الدار البيضاء وهو يستعد لجولة في عواصم أوروبا الغربية؟ (...) لقد قيل في السابق: عند تغيير الحكام... احفظ رأسك. أما اليوم فالأحرى أن يقال: عند تغيير العالم... احفظ رأسك بارداً (!)

١٢ حزيران ١٩٨٩