«موتٌ كموتك قَتْل. ليس لك وحدك بل لصحافة، لقارئ، لصديق، لأمل» (أنسي الحاج في رثاء جوزف سماحة)


أذكر أنّي بعد أيام قليلة من رحيلك، فتحتُ الكومبيوتر في غرفتي المجاورة لمكتبك وعدتُ لأمارس عملي المعتاد الممتع منذ سنوات، أي الرصد اليومي لعشرات الصحف الغربية. لستُ أدري لمَ فعلتُ ذلك، لكن وبوعي تام، فتحتُ مواقع الصحف والمجلّات واحدة واحدة واخترتُ المناسب منها من المقالات وطبعتها ودوّنتُ ملاحظات جانبية عليها و... انتظرت.

لم أعرف ماذا أفعل بكل تلك المقالات، فعلى أحدهم أن يقرأها ويستخلص منها أموراً تحليلية ويوظّفها بمكان ما في الجريدة. لم يأت أحد ليأخذها منّي، فتكدّسَت وكان شكلها على الطاولة مُكئباً أغضبني يوماً بعد يوم. مرّةً، اخترتُ منها القليل وحاولتُ عرضها على خالد صاغية، لكن الأخير كان منهمكاً بتحمّل عبء الغياب والمسؤوليات التي حطّت فجأة على الأكتاف. خالد، لِعِلْمك، أنقذ حلمك في «الأخبار». عمِل جاهداً، مع بعض أفرادها، لإنقاذنا من انهيار تنبّأ به كثيرون لنا بعد رحيلك. سَهِر خالد لسنوات يدقّق في كلّ مقال وصورة وعنوان، يعلّم ويصوّب... ويبتسم أكثر من طاقته! ترك صاغية الجريدة على خلاف معها بعد خمس سنوات من التعب، وبقيتُ أنا فيها مع بقايا حلمٍ معلّقٍ في كل غرفة من غرفها.
... مقالات الصحافة الغربية وجدَت طريقها أخيراً الى صفحات أسبوعية سمّيتُها «كيوسك» (كشك الصحافة) وكان ذلك في عزّ طالربيع العربي»، لكن اللذّة القديمة التي رافقت قراءة عقول الغرب وجسّ نبض مفكّريه تجاه أحداث منطقتنا جاءت ناقصة جافّة، إذ كلّ ما قرأتُ وأعددتُ وشاهدت يومياً لم يُفكَّك ثم يُجمَع في مقالات تحليلية «مبكّلة» كما كنتَ تفعل غالباً. تأتي صباحاً وتحمل لي أحياناً قصاصات من صحف أو ورقة صغيرة دوّنتَ عليها عنواناً الكترونياً أو تاريخ محاضرة أو اسم شخصية ما، أُدرك سريعاً ما عليّ فعله وأباشر به كمَن كُلّف بمهمة عظيمة وممتعة بنفس الوقت. كنتَ تناقش زوّارك أحياناً بالموضوع قيد البحث والتحضير، وكم كان مفيداً مجرّد الانصات لك خلال النهار. نهارات تنتهي بحماس الصباح ذاته، عندما يحين موعد قراءة الافتتاحية بالحبر الأزرق قبل أن تُرسَل الى المطبعة. اعتدتُ خطّ يدك سريعاً لحسن الحظ، كما اعتاد الذهن نشاطاً يومياً منتجاً لم يتكرر بعد رحيلك. لا شيء اليوم يشبه الأحوال قبل ذاك الرحيل، وليست تلك عشر سنوات بل مئة عام من الفراغ... على الأقلّ!
وبعد، حلّت الثورات العربية، والانقلابات، فالحروب مجدداً... ولم نجد افتتاحية نلجأ اليها، علّنا نحظى ببعض التوازن الفكري يعيد لنا شيئاً من اتزاننا النفسي. هكذا، تُرِكنا، في عزّ الأحداث المصيرية لمقالات في الصحف اللبنانية والعربية بدَت بمعظمها كتعليقات «فيسبوك»، لا تقدّم للقرّاء سوى «فشّة خلق» و«فشّة خلق» مضادة. بقيَتْ الأحداث خاماً في ذهني فازدادت المشاهد المتسارعة غباشاً.
لجأتُ الى مقالاتك المنشورة سابقاً عدّة مرّات كما فعل زملاء آخرون تلقائياً، وتفاجأتُ كم أن بعضها لا يزال يصلح حتى أيامنا وقد كُتِبت في السبعينات والثمانينات. مقالات فيها الموقف الحاسم الحاد المجرّد من أي انتماء طائفي أو متحزّب ومن أي مصلحة شخصية، الموقف الرافض للهيمنة الأميركية وللاحتلال الإسرائيلي والمدافع الثابت عن حقوق الشعوب المسلوبة كجوهر كل القضايا وأصلها (البعض بات يسمّي ذلك اليوم لغة خشبية!). مقالات مزجت المعلومة السياسية بالتهكّم الذكي اللاذع والمزاح الأنيق والثقافة الحيّة غير المدّعية والنقاش المهني المفتوح حتى مع الخصوم... ذلك كلّه مكتوب بلغة جميلة وتسلسل فكري واضح ونبرة غير متكلّفة. لم يستطع أحد أن يُتقن صناعة المقال التحليلي السلِس والمفهوم من الجميع كما فعلت، ولم يفلح كثيرون بتقديم فكرة جديدة للقرّاء كما حرصتَ يومياً. "الجوقات الموحَّدة تضيق بالمنفردين"، قال الراحل أنسي الحاج عنك.
أنسي فارق الحياة، وآخرون غادروا الجريدة، لكن «الأخبار» بقيَت. ينقصها الكثير وأهلها يعترفون بذلك، لكنها، رغم كل شيء، احتفظَت ببعض من الحلم وبشيء مما زَرَعْت. لن يعوّض أحدٌ غيابك، يبدو الأمرُ محسوماً أكثر بعد عشر سنوات. لكن المحسوم أيضاً، هو أن ما تركتَه فيّ وفي معظم مَن عملوا معك، بقي حيّاً ثابتاً كبقاء حُبٍّ أصيل في إحدى زوايا القلب.