بعض الأشخاص يجب أن يكونوا ممنوعين من الاستقالة. ولا فرق إن كانت طوعية، أو أتت على شكل موت أو اغتيال. عماد مغنية في المقاومة، مثلاً. وفي الصحافة، جوزف سماحة. منذ وفاته قبل عشر سنوات، لم أكتب شيئاً عن سماحة. لا أعرفه إلا كقارئ. في «الأخبار»، لم أكن تلميذه. أعطاني ملاحظتين أو ثلاثاً، بلطف شديد، كأن يقول: لو كنتُ مكانك، لفعلتُ هذا بدلاً من ذاك. هو مَن هو، وأنا بعدُ طامح إلى أن أكون مبتدئاً. لكن ملاحظته تأتي كما لو أنه خجل من قولها. قبل الأشهر الخمسة التي كنت أراه فيها في مكاتب «الأخبار»، عرفته من مقالاته منذ أن كانت «الحياة» تدخل منزلنا في تسعينيات القرن الماضي، و»السفير» لاحقاً. وسماحة، بالنسبة إليّ، كقارئ، هو الصحافي الراديكالي، «بالمعنى النبيل للكلمة». و»بالمعنى النبيل للكلمة»، كانت الجملة التي يُلحقها بكلمة «السياسة»، في عدد كبير من مقالاته. كان سماحة يكتب بلا مواربة وبلا تدوير للزوايا. على العكس، كان جارحاً، شديد اللطف في آن واحد.

وصلت راديكاليته إلى حدّ من حدودها القصوى، مثلاً، حين كتب مقالاً يدافع فيه، على طريقته، عن الحق في التخوين. وبعد نحو أربع سنوات على رحيله، كشفت لنا وثائق «ويكيليكس» دقة التهم التي ألقاها على من «تقاطعت مصالحهم» مع مصالح العدو، في حرب تموز 2006.


كان دائم اللجوء إلى
رسم مسارات توجِب اقتران
الشعار ببرنامج عمل

تنبع أهمية راديكاليته من أن نقده لم يكن «مُرسَلاً» بلا سند. بل إنه في غالبية مقالاته «القاسية»، لم يكن «يستغيب» من ينتقدهم. كان يشرح خطابهم، وفي أحيانٍ كثيرة بصورة أفضل بكثير مما يقدّمونه عن أنفسهم، قبل أن يُعمِل نقده لتفكيك سردياتهم. برزت في كتابات سماحة ثلاث «ثوابت» تجعل من راديكاليته حاجة ملحّة منذ غيابه: اقتناعه الراسخ بأولوية مواجهة الهيمنة (الأميركية) على ما عداها؛ لجوؤه الدائم إلى رسم مسارات توجِب اقتران الشعار ببرنامج عمل، وجعل الثاني معياراً لصدق الأول؛ وبرودة عقله التي لا تحول دون شجاعة تكاد تكون غير محدودة.
كُتِب الكثير عن سماحة منذ رحيله. وغالبية من كتبوا عنه عرفوه عن قرب. وسعى أكثرهم إلى إظهار محاسنه، كالمدى الذي بلغه تقبُّله لآراء مخالفيه. لكن ما يعنيني كقارئ يشعر ــ يومياً ــ بالخسارة التي خلّفها غيابه، أنه الراديكالي الذي كان يفتح آفاقاً شديدة العقلانية، تعيننا على مواجهة عدوّنا الذي لا يرحم. ومشكلتي الشخصية معه ــ هو «الرجل الذي رأى» ــ أنه «استقال».