تشغل جدول الأعمال النفطي في لبنان قضايا عديدة، يدور معظمها حول الصياغات القانونية والتنظيمية اللازمة لإطلاق القطاع. تتعامل الأسئلة المطروحة مع حاجات الشركات والمستثمرين المحتملين وهواجسهم التي لا يمكن تجاهلها، دون أن تندرج ضمن رؤية عامة لمستقبل القطاع وأهدافه البعيدة وخياراته الأساسية.


إنَّ صياغة توافقات مبكرة بشأن الاستخدامات المستقبلية لإيرادات البترول، وسبل توزيعها ما بين الصناعة والاستهلاك والتصدير وتمويل الخزينة العامة، والبتّ في تكوين الصندوق السيادي وحجم الشراكة الوطنية، وتحديد وتائر النمو والتوسع.. إلخ، لا يقل أهمية عن سياسات الترخيص والأحكام الضريبية ونسب تقاسم بترول الربح ونماذج اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج.
لقد استنفدنا وقتاً ثميناً في مناقشة الجوانب الإجرائية للملف النفطي، في مقابل تأجيل الجوانب الاستراتيجية المحورية، فيما كان مطلوباً التهيئة لإطلاق القطاع على نحو متوازن ومتزامن: من ناحية إنجاز الترتيبات الإجرائية والعملية (التنظيمية والتشريعية) بأسرع وقت ممكن، ومن ناحية ثانية المباشرة بوضع السياسة النفطية العامة دون إبطاء وفي مدة معقولة.


يحفر الريع النفطي في التربة الاجتماعية ويضيف إلى شروخها الطبقية المعروفة تصدعات أخرى

تتحاشى النماذج العالمية الرائدة إقرار تشريعات مسهبة ومفصلة منذ البداية، بل تتبنى مقاربة حذرة وتدريجية بانتظار امتلاك الخبرة والفهم الكافيين، فيما تُبذل جهود تمهيدية مركزة في نقاش المحاور الاستراتيجية. يذكر فاروق القاسم أحد مؤسسي الإدارة الحكومية للنفط في النرويج ومنظميها، أن الدولة هناك تبنت سياسة "التشريع قدر الإمكان". ففي عام 1965 وضعت النرويج المبادئ الأساسية للقطاع (أي بعد ست سنوات من ظهور مؤشرات قوية على وجود نفط في بحر الشمال والساحل القاري)، ثم انتظرت حتى عام 1985 لإصدار أول تشريع شامل للنفط، وما بين العامين اكتفت بقرارات وتشريعات مؤقتة لتسيير القطاع.
وإذا أردنا النسج على منوال هذه التجربة، فإنّ الأسئلة الآتية تبيّن جانباً من القضايا التي تشكّل جوهر السياسات النفطية العامة: كيف نضمن السيطرة الوطنية على هذه الثروة؟ وما هي سبل استيعابها اقتصادياً واجتماعياً؟ وأيهما أفضل الاستقرار التشريعي أم إضفاء المرونة على الأطر المنظمة للقطاع؟
المحاور الرئيسية للإجابة على ما تقدم ترتبط بالمبادئ التي راعتها النماذج الناجحة، نذكر منها على نحو خاص: تعزيز المشاركة الوطنية، وتوطين الفعاليات النفطية قدر الإمكان في داخل البلد، وزيادة قدرة الدولة على التحكم بخيارات الإنتاج وخطط تطوير الحقول، ضمن وتيرة مدروسة وغير متسرعة لنمو العمليات.
إن الاستيعاب الاقتصادي للثروة النفطية يعني مشاركة الصناعة الوطنية إلى أقصى حدٍّ ممكن في الأنشطة البترولية، ولا سيما في مرحلتي الاستخراج (Upstream and Midstream) والتحويل (Downstream). وهذا ما يتضمن مساهمات محلية كبيرة في التجهيز والتزويد وتقديم الخدمات، ومشاركة متصاعدة ومتأنية في الاستكشاف والاستخراج والإنتاج، وتكثيف الاستثمارات في صناعة التكرير وما يماثلها من أنشطة ذات قيم مضافة عالية.
أما الاستيعاب الاجتماعي لعوائد النفط، فيهدف إلى احتواء الارتدادات السلبية المرجحة للتدفق غير المنظم والمفاجئ للريع النفطي على مستويات المعيشة. تترك صدمة الموارد آثاراً كبيرة على توقعات الأفراد وأنماط حياتهم وسلوكهم الاستهلاكي. ومن المعروف أن نمو القدرة الشرائية بأعلى من نمو الإنتاجية، يؤدي بعد مرور مدة من الزمن إلى إعادة توزيع الموارد والمداخيل بين القطاعات الإنتاجية والفئات الاجتماعية. خضعت هذه التحولات إلى دراسة وافية في جوانبها الاقتصادية (ظاهرة المرض الهولندي أو ما اسماه جون جاك نواك Nowak معضلة الاقتصاد من قطاعين)، أما أبعادها الاجتماعية فلم تلق بعد الاهتمام الكافي. يحفر الريع النفطي في التربة الاجتماعية، ويضيف إلى شروخها الطبقية المعروفة تصدعات أخرى، كتلك التي تفصل بين المعتاشين على الريع والمتكسبين من الإنتاج، أو بين العاملين في القطاعات الخاضعة للتبادل الدولي وغير الخاضعة له، أو بين المقربين إلى دوائر توزيع الريوع والمبعدين عنها. إن تعقيم الاقتصاد الوطني من آثار الفائض النفطي، أمر لا بد منه للتقليل من آثاره الاجتماعية والاقتصادية الضارة، ويكون ذلك من خلال فصل الاستهلاك عن عائدات النفط، وخفض تبعية الموازنة العامة لهذه العائدات، وعدم الرهان عليها وحدها في حل المشكلات المالية الحادة كإطفاء الدين العام.
لا يقتصر دور الدولة الأساسي، في مضمار استيعاب الموارد النفطية، على المساهمة المباشرة في الاستخراج والإنتاج والتسويق وتطوير الحقول، فهي قبل ذلك ومعه، الناظم الأساسي للسياسات النفطية العامة، وعلى عاتقها تقع مهام جوهرية لا يمكن لغيرها القيام بها، مثل ضمان عدم الوقوع في لعنة الموارد، وتجنب الإخفاق في حوكمة القطاع وإدارته على النحو المطلوب. ففي بلدان عدة كان هذا الإخفاق سبباً في تقويض أنظمتها السياسية وتدهور معايير المساءلة والمحاسبة، وفرط العقد الاجتماعي ونشر السخط الشعبي وإشعال الحروب.
إن تكييف العمليات النفطية مع المستجدات يفرض اعتماد سياسات تنظيم مرنة، أي القبول بتعديل القوانين والتشريعات والمراسيم والقرارات النفطية، وفقاً للحقائق التي تفصح عن نفسها تدريجياً، في أثناء عمليات الاستكشاف والاستخراج والإنتاج، أو في خضم النقاشات الوطنية أو إبان التفاوض مع الشركات وأصحاب الحقوق. ويمكن لهذه المرونة أن تشمل كل مراحل هذه العملية، بما في ذلك الإطار التشريعي العام الناظم للقطاع (مثل: قانون الموارد البترولية في لبنان 132/2010) والأحكام الضريبية والعقود النموذجية وغيرها من الأنظمة والمراسيم بشرط أن لا يخلّ بأصول التعاقد.
إنّ تحكم الدولة بمسار القطاع، يقتضي أيضاً، أن تكون شريكاً فعالاً وحاسماً في اتخاذ القرارات المفصلية، وعلى المستويات كافة. فامتلاك الدولة (من خلال الشركة الوطنية مثلاً) حصصاً في رخص الاستكشاف والإنتاج، يقوي موقعها في اتخاذ القرارات التشغيلية ويعزز قدرتها على الوصول إلى البيانات والمعلومات التي يزداد تدفقها بدءاً من مرحلة الاستكشاف، كما يساعدها ذلك في التوفيق بين وتيرة الإنتاج والسياسة النفطية العامة. إن تمتين قدرة الدولة على التحكم بخطط التطوير والإنتاج، بحيث تراعي المعايير الاقتصادية والمالية والبيئية المرسومة، يستدعي وجود آلية قرار متعددة المستويات، تشارك في بعضها السلطة التشريعية، وفي بعضها الآخر السلطة التنفيذية مجتمعة، إلى جانب أدوار محددة ومتداخلة للهيئات والجهات الأخرى (هيئة إدارة القطاع، الوزارات المعنية،...). والمبدأ هنا، هو أنَّ تتعدد مستويات اتخاذ القرار ويتنوع المشاركون فيه، خلال المراحل التأسيسية وكلما تعلق الأمر بمسائل استراتيجية ومبادئ عامة، في مقابل تشدد أقل في القضايا الأخرى.
وبقول موجز، إن التهيؤ لدخول عصر النفط لا يحتاج إلى جهوزية تقنية وفنية وإجرائية فحسب، بل يتطلب قبل ذلك وفي غضونه، سياسات عامة تضمن بناء القدرة الاستعابية للدولة. وهذا يتم من خلال تحييد القطاع تمام التحييد عن منطق المحاصصة، وإحاطته بشبكة أمان تضمن أعلى مستوى من الشفافية والنزاهة والحوكمة الرشيدة، المحصنة بجرعة مكثفة من الوفاق الوطني والتوافق السياسي. أما اقتصادياً واجتماعياً، فتبنى القدرة الاستيعابية من خلال استخدام عائداته في تحويل هذه الثروة الطبيعية إلى ثروة إنتاجية ورأسمال مادي وبشري واجتماعي، والمباشرة فوراً ودون إبطاء بتطوير القطاع الصناعي ودعمه ومضاعفة الاستثمارات فيه، ليكون قادراً على مواكبة هذا القطاع وتوطين عوائده ومخرجاته، ضمن بنية علمية وتعليمية وبحثية متطورة، تغذيها عقولنا المقيمة والمهاجرة.. ورساميلنا أيضاً.