لا يكاد مخيم عين الحلوة يهدأ ليعاود الاشتعال مجدداً. مسلسلٌ مملّ اعتاده أهالي المخيم مُرغَمِين. فقد حُوِّل مخيم الشتات الأكبر إلى صندوق بريد، تتبادل فيه الرسائل بالطلقات النارية والقذائف الصاروخية، فيما تُسجَّلُ التكلفة على حساب ساكني هذا الكيلومتر المربع ليدفعوها من دمهم ومالهم واستقرارهم. يعزز هذه الفوضى الدموية تفلّت السلاح بين أيدي صبية، تُحرِّكهم أهواؤهم أو تنظيمات تُصفّي حسابات داخلية أو أجهزة مشبوهة تتحكم فيهم، فيما الرادع الحقيقي مفقود.


وقود هذه اللعبة القذرة شباب المخيم وشيبه، لا سيما أولئك المحسوبين على التنظيمات الإسلامية المتشددة. معظم هؤلاء لا يجد ما يسدّ به رمقه، لكنه يعيش في «خسّة» حُلمٍ بعيد المنال. يرفض هؤلاء تسليم أنفسهم خوفاً من اتهامهم بالكفر أو الردّة أو خشية انتقالهم من سجنٍ اعتادوه بجدران اسمنتية وحرية متوهّمة إلى سجن جديد لا يختلف كثيراً عن الحالي سوى أنهم لم يألفوه بعد، استُبدلت جدرانه بالقضبان الحديدية. وفوق كل ذلك، يجثم الثأر ثقيلاً فوق صدور عائلات معظمها بريء، فقدت معيلها في اشتباكات عبثية. فلم يعد أمامها سوى أن تستسقي الدم بالدم.


شرارة المعركة
أشعلها تلاسن فرديّ بين سيدتين، إحداهما زوجة فتحاوي
والأخرى زوجة إسلامي


منذ يومين، وتزامناً مع زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، اشتعل المخيم مجدداً. تصادف ذلك مع زيارة جليلة دحلان، زوجة عضو اللجنة المركزية المفصول من حركة فتح محمد دحلان، إلى حي البركسات في عين الحلوة. ورغم نفي المصادر الأمنية ارتباط زيارة زوجة دحلان أو زيارة عباس بانفجار الوضع في المخيم، لا يُمكن أن يُقرأ المشهد من دون وضعه في السياق العام، علماً بأنّ المعركة بدأت بخلاف فردي بين سيدتين؛ فقد تشاجرت زوجة أحد الفتحاويين مع زوجة ناشط إسلامي متشدد، ولم يلبث أن تطور الخلاف إلى إطلاق نار بين الطرفين. مرّ وقت قصير قبل أن يعمِّم كل طرف فيديو كاميرات المراقبة، زاعماً أن الآخر هو من اعتدى. تطور الأمر بعدها إلى اشتباك مسلّح وأعمال قنص بين حيّي البراكسات (معقل فتح) والصفصاف (معقل الإسلاميين). واستُخدمت القذائف الصاروخية خلال الاشتباك بين عناصر من فتح وعناصر إسلامية متشددة، أسفرت عن إصابة مدنيين واحتراق بعض السيارات وإحداث أضرار مادية. وقد انتشر المسلحون في الشوارع. ونجم عن ذلك إصابة أحمد عامر خليل الملقب بـ«أبو عائشة» إصابة خطرة نُقل على إثرها إلى مستشفى الراعي، علماً بأنّ الإشكال قد بدأ بين شقيق خليل المعروف بـ«أبو قتادة» والفتحاوي طعّان سلامة. وكان قد عزز حال التوتّر في حي الصفصاف توقيف عناصر من الأمن العام المدير السابق للأونروا في عين الحلوة فادي الصالح، الذي أسّس لاحقاً ما عُرِف بـ«مجموعة المقدسي». غير أن رواية مقابلة أفادت بأنّ الاشتباك تجدد لاحقاً بعد زيارة جليلة دحلان، إذ إنّ المصادر تقول إنّ فتحاويين أرادوا إيصال رسالة أنهم غير راضين عن زيارتها، فأطلقوا الرصاص عشوائياً أثناء زيارتها، ليردّ عليهم مسلحو الصفصاف باعتبار أن التوتّر كان يسيطر على الجميع. هذه الرواية نفتها المصادر الأمنية، معتبرة أن تزامن اشتداد إطلاق النار مع وصول دحلان محض مصادفة. لكن هل يُعقل أن يكون خلاف فردي وحده قد أشعل المخيم؟ تُجيب المصادر على هذا السؤال بالقول: «الخلاف كان فردياً، لكن الجميع متأهّب للرد في أي فرصة لإيصال رسائل تهديد»، مشيرة إلى أنّ «الاشتباك كان عبارة عن عرض عضلات لم تتخلله محاولات اقتحام كما كان يجري في السابق». وسألت المصادر: «من قال إنّ بعض التنظيمات داخل المخيم لا تتحيّن الفرصة لاصطياد مناوئين لها وتصفية حسابات لاستهداف آخرين»، معتبرة أنّ «بعض الشباب المحسوبين على الحالة الإسلامية أصبحوا كأحجار الشطرنج يُستغلّون من حيث لا يدرون». بدوره، نقل إمام مسجد القدس الشيخ ماهر حمود لـ«الأخبار» استياء أهالي المخيم من الحال، مشيراً إلى أنّ لسان حال كثيرين منهم بات يؤيد دخول الجيش لتخليصهم من سطوة أفراد متفلّتين يهددون حياتهم وأرزاقهم. وقال حمود إنّ «القوى المخرّبة معروفة، لكن لا أحد يجرؤ على اتخاذ قرار كهذا». حمود استنكر تكرار هذه الحوادث، كاشفاً أنّه أجرى اتصالاته مع الجهات المعنية لضبط الوضع و«إنهاء المهزلة الحاصلة»، لا سيما أن هذه الحال باتت تتكرر دورياً. وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطّلعة على زيارة «أبو مازن» أن الوفد المرافق لرئيس السلطة الفلسطينية وعد الجانب اللبناني بأنه سيتم خلال شهر إنجاز التعيينات، مؤكدين أنهم «سيتخلّون عن التدابير الاسترضائية لوضع حدّ للفلتان الأمني في المخيم».
ورغم أن الجمر بقي كامناً تحت الرماد مساء أمس، إلا أنّ المتحدث باسم «عصبة الأنصار الإسلامية» أبو شريف عقل عَمِل على لملمة المسلحين من الشارع. تزامن ذلك مع سلسلة اتصالات أجرتها استخبارات الجيش بقادة الفصائل في المخيم. وفي هذا السياق، قال الشيخ أبو شريف عقل لـ«الأخبار»: «حركة فتح والإسلاميون موجودون في كل أنحاء المخيم. في صفوري وحطين وغيرهما هناك تماس تام. السؤال هو لماذا لا تحصل الاشتباكات إلا بين البراكسات والصفصاف؟». عقل أشار إلى أنّ «القصة قصة قلوب مليانة ونفوس محقونة. التراكمات منذ شهر رمضان الماضي يوم حصلت اشتباكات سقط فيها أبرياء قتلى، تحوّلت اليوم إلى مسائل ثأرية». المتحدث باسم «عصبة الأنصار» قال إنه «منذ ذلك الحين لم تُحَلّ القضية من جذورها. هناك ديّات يجب أن تُدفع وجراح يجب أن تُعالج. ذلك لم يحصل». وأضاف: «الشعب الفلسطيني بحاجة إلى قيادة تحمل همّ 100 ألف فلسطيني. الناس تشتم كل القيادات. نحن أصحاب أقدس قضية نتقاتل في زواريب. عيبٌ علينا. تعالوا لنبلسم جراح الناس. تعالوا لندفع ديات العائلات التي فقدت عائلاتها. كل من حمل السلاح وأطلق النار في المخيم يعمل على تدمير المخيم. الناس في المخيم جوعى. حرامٌ عليكم. نحن نطالب منظمة التحرير الفلسطينية بأن تتحمل المسؤولية وتسعى لحل هذا الموضوع، وإلا فإن الجراح ستتجدد كل يوم». وختم عقل قائلاً: «أمس كانت الناس تموت في عين الحلوة، فيما باقي المخيمات تطلق النار ابتهاجاً بفوز أحد المطربين. عيبٌ علينا».