لم يكن ينقص السجال السياسي حول قانون الانتخاب و«معمعة» النقاشات حول الموازنة، سوى طرح رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع خصخصة قطاع الكهرباء، بحجّة توفير المال على خزينة الدولة. في عصر أفول الحريرية السياسية، يأتي من يعيد انتشال مشاريع الرئيس الراحل رفيق الحريري بخصخصة الماء والكهرباء، بذرائع واهية.


موقف جعجع صدر أمس عبر قناة «أل بي سي آي»، فقال إن حزبه لن يوافق على الموازنة إذا لم تتضمّن خصخصة إنتاج الكهرباء، على أن تشتري الدولة الكهرباء من الشركات الخاصة المنتجة، وتبيعها للمواطنين. وزعم جعجع أن هذا الأمر يؤمّن التيار الكهربائي 24 ساعة يومياً للمواطنين، ويوفر على الخزينة ملياراً ونصف مليار دولار سنوياً. ورأى أن هذا الوِفر المزعوم يمكن أن يكون بديلاً من فرض ضرائب جديدة.
كلام جعجع فيه الكثير من التضليل. فهو يمنّن المواطنين بأن اقتراحه سيعفيهم من زيادة الضرائب، لكنه لم يقل كامل الحقيقة. يبدأ التضليل من رقم 1.5 مليار دولار.


اقتراح جعجع يؤدي
إلى زيادة كلفة الكهرباء على المواطن أو على الدولة بإضافة ربح الشركات الخاصة
فنتائج مؤسسة كهرباء لبنان تُظهر أن العجز الذي تكبّدته الدولة عام 2016 بلغ 920 مليون دولار لا 1.5 مليار دولار. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإن ما يحاول جعجع التعمية عليه هو أن هذا المبلغ هو دعم من الدولة لسعر الكهرباء. وإذا توقفت الدولة عن دفع هذا الدعم، فسيُضاف حُكماً إلى الفاتورة التي يدفعها المواطنون. لكن رئيس حزب القوات لم يشرح كيف ستتوقف الدولة عن دفع المال، ما دام اقتراحه يقوم على أن تشتري الكهرباء من المنتجين، ثم تبيعها للمواطنين، بما يضمن ربح الشركات الخاصة المنتجة. وفي حال رفع الدعم تماماً، فسيكون على اللبنانيين أن يدفعوا الفاتورة الحالية، وكلفة الدعم المرفوع، وربح الشركات الخاصة، ما يعني أن الكلفة ستتعاظم على المواطنين. وفي جميع الحالات، فإن ما يدعو إليه جعجع سيغيّر أمراً واحداً: سيُضاف على الكلفة الحالية للكهرباء ربح إضافي تجنيه الشركات الخاصة، إما من المستهلك مباشرة، أو من الخزينة في حال عدم رفع الدعم. كذلك ستستفيد المصارف التي تضغط من أجل الخصخصة ليتسنّى لها توظيف السيولة الموجودة لديها، وجني المزيد من الأرباح بضمانة الدولة، بدلاً من المخاطرة بالتسليف في السوق.
ويأتي اقتراح جعجع تتويجاً للتآمر الذي مارسته الحكومات المتعاقبة على الكهرباء، من خلال وقف الاستثمار في إنتاج الكهرباء، بشكل متعمّد، لتدمير القطاع وإبقاء الخصخصة حلّاً وحيداً. و»يصدف» دوماً أن الشركات التي ستفوز بالخصخصة ستكون مملوكة إما من سياسيين أو أقرباء لهم أو أفراد بمثابة واجهة لهم.
وتجاهلت السلطة دوماً ثلاثة حلول بسيطة: أولاً، يمكن الاستثمار في الإنتاج بهدف إلغاء ساعات التقنين؛ يمكن رفع التعديات عن الكهرباء وتفعيل التوزيع والنقل والجباية؛ ويمكن خفض كلفة إنتاج الكهرباء من خلال الاعتماد على وقود غير «الفيول»، كالغاز، إضافة إلى مصادر الطاقة المتجددة (كالشمس والرياح).
ويبدو جعجع في موقفه هذا ناطقاً باسم رئيس الحكومة سعد الحريري الذي لا يريد افتعال أزمة مع رئيس الجمهورية من جهة، ويريد من جهة أخرى استثمار عودته إلى الحكومة لترميم وضعه المالي عبر الاستفادة من مجموعة من العقود والمرافق العامّة، من بينها الكهرباء والاتصالات والنفط.
يُضاف إلى ذلك أن جعجع يريد بكلامه نسف خطة الكهرباء التي وضعها الوزير جبران باسيل في عهد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ووافق مجلس النواب على تمويلها. وهذه الخطة تعثّرت في أكثر من مكان بسبب خلافات سياسية. وسيؤدي تطبيقها كاملة إلى تأمين الكهرباء 24 ساعة يومياً.
وفيما ربط البعض بين تصريح جعجع ومسألة قانون الانتخاب والتجاذب السياسي حوله، قالت مصادر القوات اللبنانية لـ«الأخبار» إن «طرح جعجع لا علاقة له بأي توقيت ولا خلفية سياسية له ولا ينبغي ربطه بملف قانون الانتخاب». وأضافت المصادر أن «جعجع سبق أن أكد في اجتماع لوزراء القوات أهمية ربط الموازنة برؤية اقتصادية، وأن القوات لن تقبل أن تكون الحكومة التي تشارك فيها كالحكومات السابقة»، مؤكّدةً أن «خصخصة الكهرباء يجب أن تكون أولوية من أجل تأمين الكهرباء 24 / 24 ساعة». ولفتت المصادر إلى أن «القوات بدأت حملة لحشد التأييد لموقفها، وأوسع حملة دعم، وستطرح في أول جلسة لمجلس الوزراء هذا الموضوع، ولن تقبل العودة عنه، ومن يرفضه عليه تبرير أسباب رفضه للرأي العام».
(الأخبار)