قد تكون المعلومة «الصادقة» الوحيدة التي يستخدمها حزب القوات اللبنانية في التسويق لمشروع خصخصة قطاع الكهرباء، أنّ مشكلة هذا القطاع تعود إلى تسعينيات القرن الماضي. يومها، قرّر مجلس الوزراء تثبيت سعر التعرفة، وأن تدعم الدولة القطاع لخفض قيمة الفاتورة التي يدفعها المواطن.


لم يُنهك الأمر، في حينه، خزينة الدولة، كون سعر برميل النفط لم يكن يتعدّى 25 دولاراً، إلى أن بدأت الأسعار بالارتفاع عالمياً، فوصل الأمر إلى أن تدفع الدولة خلال عامي 2013 ــ 2014 ملياري دولار. ذرّ الرماد القواتي في العيون يبدأ حين لا يذكر الحزب أنّ المبلغ انخفض بين عامي 2015 و2016 إلى 920 مليون دولار. لا يُنكر أحد أنّ المبلغ أكبر من أن تحتمله خزينة الدولة، المنكوبة أصلاً. ولكن إخفاء بعض التفاصيل الأساسية لا يصبّ إلا في خدمة المشروع «الشعبوي». إذاً، «المشكلة» في الأساس هي في دعم القطاع من قبل الدولة، وفي عدم الاستثمار في الانتاج، وليس في هوية من يتولّى الانتاج. حين تُعلن القوات اللبنانية، على لسان رئيسها سمير جعجع، أنها تريد خصخصة الكهرباء للحدّ من الخسائر في الخزينة، يعني أنّها تريد إلغاء الدعم، وبالتالي فإن النسبة التي كانت تغطيها الدولة ستُضاف إلى فاتورة الكهرباء التي يدفعها المواطن. في الشكل، لن تكون هناك ضرائب إضافية تُفرض على الناس لتغذية الخزينة، لكن هذه الضريبة سيدفعها اللبنانيون بطريقة «غير مباشرة»، أي في فاتورة الكهرباء، وستُضاف إليها أرباح الشركات الخاصة. هنا أيضاً لا تتم مصارحة الناس الذين سينبهرون بعنوان «كهرباء 24/24» الجذاب.
الاقتراح الذي عرضه جعجع قائم على أن تشتري الدولة الكهرباء من المنتجين ثم تبيعها للمواطنين. السؤال هو: بأي كلفة ستتم هذه العملية؟ فالقطاع الخاص الذي سيتولى ذلك في حاجة إلى الاستدانة من المصارف لإنشاء البنى التحتية. وبطبيعة الحال، نسبة الفوائد التي سيدفعها أعلى من الفوائد التي كانت الدولة ستدفعها لو أنها هي المستدينة. ومن أجل تغطية كلفة الانتاج وضمان أرباحها، ستعمل الشركات الخاصة على رفع سعر المادّة التي تبيعها، ما يعني أنّ كلفة الكهرباء التي سيدفعها المواطنون لقاء حصولهم على حقهم من الدولة ستُضاف إليها كلفة الدعم المرفوع وربح الشركات الخاصة. الدولة لن تتوقف عن دفع الأموال. المواطن سيتكبّد المزيد من الأعباء المادية. القوات اللبنانية ستسوّق لنفسها على أنها «منقذة» الجمهورية من الظلمة، والشركات الخاصة والرأسماليون سيتقاسمون أموال اللبنانيين.
إضافةً إلى ذلك، يُناقض «المبدأ التسويقي» لمشروع القوات نفسه. فبحسب المعلومات، «قرابة 40% من القدرة الانتاجية تروح هباءً بسبب التعديات على الشبكة». حلّ هذه المسألة يقع على عاتق الدولة وليس القطاع الخاص. فإذا تمكنت الدولة من إزالة التعديات، وألغت الدعم للكهرباء، ووضعت تسعيرة جديدة، لماذا لا تستثمر هي في قطاع الكهرباء؟ إلا إذا كان الطرح لا يتعدّى إطار الاستغلال الشعبي لواحدة من أهمّ مشكلات المجتمع اللبناني، وتسويق لأفكار إيديولوجية ليبرالية تعيد إحياء مشاريع الحريرية السياسية، وكسب رضى رجال الأعمال الذين يسعى جعجع إلى خطب ودّهم بغية إضفاء شرعية أكبر على مشروعه السياسي.
تبدو القوات اللبنانية من خلال طرحها ناطقة باسم تيار المستقبل، الذي يتهمه خصومه بتدمير قطاعات الدولة لكي لا يبقى من حلّ سوى القطاع الخاص. أحد الخبراء الاقتصاديين يُصوّب الأمر، «القوات أصيلة وليست وكيلة عن الحريرية السياسية. هي، في الأصل، تُعبّر عن الرأسماليين ورجال الأعمال». لكنّ مصدراً مسؤولاً في معراب يُسارع إلى نفي «الاتهام»، بالقول إنّ «القوات تضم مختلف الفئات ولكنّ أرضيتنا شعبية». القصة ليست في «تمثيل الرأسماليين أو غيرهم، ولكن لم يعد مقبولاً وضع الكهرباء. هناك فشل ما بعده فشل».


بالنسبة إلى القوات
أزمة الكهرباء تدلّ
على فشل الطبقة السياسية والحكومات

لا تريد القوات طرح الأمر وكأنه إعادة «تعويم» للحريرية السياسية، فذلك «حرام»! يُصرّ المصدر على أنّ «قطاع الكهرباء يستنزف الدولة منذ 27 سنة، ما يدلّ على فشل الطبقة السياسية والحكومات المتعاقبة»، مع الإشارة إلى أنّ التيار الوطني الحر يُمسك بوزارة الطاقة منذ ثماني سنوات. وفكرة الدمج بين القطاعين العام والخاص، القائمة على مراحل، قدمها أولاً الوزير جبران باسيل وتمت عرقلتها. «ليس المهم إيجاد الفكرة، بل الدفاع عنها حتى النهاية»، يقول القواتيون. باسيل في المقابل اعتبر ما تطرحه القوات أموراً «نظرية» بحاجة إلى خمس سنوات للتطبيق. معراب لا توافق على هذا الكلام. نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الصحة غسان حاصباني (القواتي)، ردّ على باسيل بالقول إن «الخطة الإصلاحية لقطاع الكهرباء التي طرحتها القوات والمبنية على الخصخصة اقتراح عملي لا نظري». وفي تصويب يبدو مباشراً على باسيل، قال حاصباني: «نحن ننتظر تطبيق خطة الكهرباء منذ أكثر من 10 سنوات ولم يطبّق منها شيء حتى الآن».
يُصرّ حاصباني، وقبله جعجع، على أن ما تطرحه القوات لا يزال عنواناً عريضاً لا مشروعاً ولا خطة، لا أرقام فيها، ولا مقارنات، ولا جداول تُظهر للمواطنين الكلفة التي سيُعفَون من دفعها. إلا أنّ مصدر معراب يُصرّ على أنه «بمعزل عن الآليات، يجب أن يتوافر إجماع سياسي في مهلة سنة لحل الأزمة. نحن لن نكون إضافة عدد في مجلس الوزراء ولا واجهة لقوى أخرى». يقول المصدر ذلك، رداً على سؤال عن أنّ القوات تتولى التعبير في العلن عمّا يخشى قوله الرئيس سعد الحريري. ويوضح أنّ «الموضوع طُرح من دون التنسيق مع أحد. الآن نسعى إلى تسويق المشروع بين القوى السياسية». أما بالنسبة إلى العلاقة مع تيار المستقبل، «فبعد أن اهتزّت سابقاً وتباينا في بعض الأحيان، هناك اليوم تقاطع في الملفات، والعلاقة ممتازة».
تُقدم القوات دائماً نفسها كالمدافع الأول عن الدولة. مشروع الخصخصة الذي تطرحه يعمل على إضعاف الدولة وسحب القطاعات الأساسية منها. «عنواننا العبور إلى الدولة، شرط أن تكون الدولة قادرة على ذلك»، يردّ المصدر. هو المنطق نفسه الذي يقول إنّ سلاح حزب الله ضرورة في ظلّ غياب أي إمكانية للدولة لحماية لبنان، و»تشيطنه» القوات. ينفي المصدر ذلك، «لأنّ سلاح حزب الله إيراني ويرتبط بظروف المنطقة. نحن نريد أن تكون الدولة في المكان المناسب. كذلك فإننا نُقدّم لها موقع الشراكة مع الخاص. وما تقوم به القوات هو ربط نزاع من أجل الإصلاح». ولكن، «إذا لم نتمكن من إدراج هذا البند في الموازنة، فسنعترض، ولكن لن نُعطّل، لأننا لسنا وحدنا من يُقرر». إذاً، هو فعلاً طرح شعبوي، على قاعدة الإيحاء لللبنانيين بأنكم حاولتم ولم تنجحوا؟ يجيب المصدر: «سنُكمل بالملف حتى النهاية، وشعبيتنا لدينا ثقة بها».