ربّما لم ينل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس، منذ تولّيه منصبه قبل أكثر من عقد، استقبالاً كالذي ناله في بيروت. على مدى ثلاثة أيام، لم يترك عبّاس، إضافة الى الرؤساء الثلاثة، حزباً أو تنظيماً أو شخصيّة لبنانية تعتب عليه، إلّا ودعاها لزيارته في مقّر إقامته، مكرّراً أمام زوّاره كلاماً ممجوجاً عن «القضية الفلسطينية» ومأساة اللاجئين و«عدائية إسرائيل»، وطبعاً الحلّ السياسي الذي يجده عبّاس طريقاً وحيداً لاسترجاع الحقوق الفلسطينية.


وللمفارقة، فإن الرئيس الآتي إلى لبنان على عجل، ليكون أوّل رئيس عربي يزور بيروت بعد انتخاب الرئيس ميشال عون، وجد متّسعاً من الوقت لمتابعة برنامج «آراب أيدول»، لكنّ وقته ضاق للقاء وفدٍ من اللاجئين الفلسطينيين أو زيارة مخيّم من مخيّمات الشتات والبؤس على الأرض اللبنانية، بمعزلٍ عمّا إذا كان سكّان المخيّمات سيستقبلونه بنثر الأرز أو رشق البندورة. كذلك لم يجد وقتاً، أو ربّما فرصةً، للقاء ممثّل أو وفدٍ عن حزب الله، المقاومة التي تضع المخرز في عين إسرائيل.
إلّا أن ما تسرّب من أجواء الزيارة يؤشّر إلى أن «أبو مازن» ــــ ومدير استخباراته اللواء ماجد فرج العائد حديثاً من زيارة لواشنطن ــــ بدا مهجوساً بتوسّع حركة القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، والقيادي في مخيّم عين الحلوة محمود عبد المجيد عيسى («اللينو»)، وكرّر مراراً أنه مع «تشريع المخيّمات الفلسطينية أمام الدولة والجيش اللبناني»، ليس من باب الحرص على السيادة اللبنانية، بل من باب التهرّب من المسؤوليات.


بري: أخشى أن يكون هدف افتعال المعارك في عين الحلوة قطع طريق الجنوب

في خطابه الأوّل من القصر الجمهوري، أكّد عبّاس أن «اللاجئين الفلسطينيين في الأراضي اللبنانية ما هم إلا ضيوف، وإننا نعمل بكل ما نستطيع لمساعدتهم حتى عودتهم المؤكدة إلى البيوت التي هُجّروا منها في فلسطين». لكنه لم يقل كيف تكون العودة، مؤكداً في المقابل استمراره في «الحلّ السياسي»! والجملة الأخيرة حمّالة أوجه؛ فمن جهة، يدرك عبّاس أن مثل هذا الحلّ لا يعيد أرضاً ولا لاجئين، لكنّه بحسب مصادر فلسطينية، أراد تذكير إسرائيل بأن «مسألة اللاجئين لا تزال ورقةً للمساومة بين يديه». وتقول المصادر ذاتها إن «عبّاس على أبواب القمّة العربية في الأردن يخشى من أن يكون السقف العربي أدنى من ذلك الذي رافق مبادرة السلام العربية في 2002، بما يشجّع إسرائيل على الإصرار على رفض حلّ الدولتين، ما دام النظام العربي الرسمي لا يرفع سقفه تجاه هذا الحلّ».
«إذا بقي لاجئ واحد، فلن تُحلّ قضيّة اللاجئين»، جملةٌ أخرى في نصّ عبّاس تحمل أكثر من تفسير. بحسن النية، فإن الرئيس الفلسطيني يوجّه رسالة لإسرائيل مفادها أن مسألة اللاجئين لم تمت، ما دام هناك لاجئ واحد، وفي لبنان 260 ألف لاجئ. أمّا «الخبثاء» فيفسّرون كلامه باستعداده لحلّ أزمات اللجوء وإنهاء مخيّمات اللجوء بالتوطين والتهجير، أو بـ«الفيزات» الكندية التي سوّق لها قبل أعوام.
بعد لقاء عباس مع عون ووزير الخارجية جبران باسيل، عقد اجتماع أمني بين مدير المخابرات العميد كميل ضاهر والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم واللواء فرج، الذي أضفى حضوره طابعاً أمنيّاً على الزيارة. لكن، بحسب المعلومات، لم يملك فرج تصوّراً عمّا يمكن فعله لتخفيف الأخطار الأمنية في المخيّمات، وتحديداً عين الحلوة. وبدل ذلك كان التركيز على ضرورة قيام الدولة اللبنانية بتحجيم دور «اللينو»، وتأكيده عدم ممانعة السلطة الفلسطينية نزع سلاح المخيّمات وحركة فتح، حتى إنه لا مانع من دخول الجيش إلى المخيّمات. في المقابل، أكّد القادة اللبنانيون أن مسؤولية الأمن في المخيّمات هي مسؤولية السلطة الفلسطينية، وأنه لو تمّ نزع سلاح الفصائل التي تواجه الجماعات الإرهابية المتطرفة، فمن يضمن نزع سلاح الإرهابيين؟ ومن غير المعقول أن تتخلّف هذه السلطة عن دورها في ضبط الأمن في المخيّمات، وتطالب الدولة بتحجيم «اللينو»، ما دام الأخير مستعداً لمواجهة الجماعات الإرهابية. وبالتالي، فإن نزع سلاح الفصائل وبقاء السلاح مع الجماعات الإرهابية يضعان الجيش اللبناني وجهاً لوجه مع هذه الجماعات، و«الجيش غير مستعد لدخول المخيّمات وتحمّل كلفة الدم الفلسطيني».
وتتخوّف مصادر بارزة في تحالف القوى الفلسطينية من أن يكون دور فرج يصبّ في سياق النشاط الذي يضطلع به الأخير في الضفة الغربية، لناحية التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي ومطاردة المقاومين، تحت شمّاعة «محاربة الإرهاب». وتقول إن «وضع المخيّمات تحت جناح سلطة أبو مازن يشرّع المخيّمات أمام الموساد الإسرائيلي بستار رسمي».
وبدا بارزاً خلال الزيارة أيضاً غياب الحديث عن السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات، بعد أن اعترض حزب الله وحركة أمل في الماضي على تناول «أبو مازن» لهذا الملفّ مع الدولة اللبنانية، باعتبار أن هذا السلاح جزءٌ من ملفّ المقاومة والاستراتيجية الدفاعية، و«وحدة المسار والمصير» مع سوريا في الصراع مع العدو.
بعيداً عن تفاصيل الزيارة، تتعاطى مصادر أمنية مع تطوّرات مخيّم عين الحلوة باهتمام بالغ، مستشعرةً تصعيداً أمنياً تُعدّ له واشنطن وحلفاؤها في المنطقة ولبنان. وترى المصادر أن «الجماعات التكفيرية في مخيّم عين الحلوة هي إحدى أدوات الرياض التخريبية في لبنان»، معتبرةً أن «تحريك المخيّم يصبّ في خانة التوتير الأمني العام، بعد أن فقدت السعودية جزءاً مهمّاً من أدواتها في الداخل اللبناني».
أمّا الرئيس نبيه برّي، فيرى في تحريك المخيّم في هذا التوقيت «خطراً كبيراً»، وقال لـ«الأخبار»: «أخشى أن يكون افتعال المعارك في المخيّم هدفه قطع طريق الجنوب».